وقال : لو علمت أن عمري قصير ما فعلت ما فعلت . وقال : ذهبت الحيل فلا حيلة . وقال : اللّهم إني أخافك من قبلي ولا أخافك من قبلك ، وأرجوك من قبلك ولا أرجوك من قبلي . وقال : إني أخذت من بين هذا الخلق « 1 » . ومن أغرب الأمور في سيرة المعتصم أنه قد فوّض أمر الدولة إلى أخوين مسيحيين وهما : سلمويه وإبراهيم . وكان سلمويه يشغل منصبا قريب الشبه من منصب الوزارة في العصر الحديث ، وكانت الوثائق الملكية لا تتخذ صفة التنفيذ إلّا بعد توقيعه عليها ، وقد عهد المعتصم إلى أخيه إبراهيم بحفظ خاتم الخليفة كما عهد إليه بخزانة بيوت الأموال في البلاد ، وكان المنتظر من طبيعة هذه الأموال وتصريفها أن يوكل أمر الإشراف عليها إلى رجل من المسلمين ، وقد بلغ من ميل الخليفة إلى سلمويه أن عاده في مرضه فغمره الحزن عند وفاته ، حيث أقيمت الطقوس المسيحية في خشوع مهيب « 2 » .
الواثق :
أبو جعفر هارون بن المعتصم بن الرشيد المتوفى سنة 232 ه كان شاعرا فطنا يتشبه بالمأمون في حركاته وسكناته ، وكان حسن السيرة مع أبناء عمه آل أبي طالب . قال يحيى بن أكثم : ما أحدث أحسن من خلفاء بني العباس إلى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثق ، ما مات وفيهم فقير « 3 » . وكان شديد القول بخلق القرآن ، حتى بلغ الأمر به أنه لما وقع الفداء بين المسلمين والروم في الأسرى أمر الواثق أن يمتحنوا أسرى المسلمين ، فمن قال القرآن مخلوق وأن اللّه لا يرى في الآخرة ، فودي به وأعطي دينارين ، ومن لم ينل ذلك ترك في أيدي الروم . ولما حضرته الوفاة أمر بالبسط فطويت ، وألصق خده على الأرض ، وجعل يقول : يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه ، وكان يردد هذين البيتين :