أما الإمام أحمد فقد علت منزلته عند المتوكل وقربه إليه وطلب منه أن يتولى تعليم ولي العهد ، كما كان يتعاهده بالإكرام ويشيد بذكره ويتشوق لرؤيته ، وطلب أن يزوره في عاصمة ملكه ليراه ويتبرّك بقربه . وعند ما لمس الناس هذا العطف من المتوكل الذي عرف بقساوة القلب ، والظلم والاستبداد وسفك الدماء ، والانهماك في الشهوات ، انهال الناس على أحمد من مناصريه وغيرهم ، وازدحموا على بابه ، وتهافت رجال الدولة وأعيانها عليه ، فكان الطريق إلى بيته مزدحما بالناس ، وإذا سار في الطريق احتشدوا خلفه ، وتحدثوا في الأندية والمجتمعات عن عظمته وعلو مكانته ، ويأتون إليه بالمنامات المبشرة والحوادث الدالة على عظمته ، فهذا يقول : إن أمي كانت مقعدة فأقسمت على اللّه باسم أحمد بن حنبل فعوفيت . وهذا يقول : إن الجندي المسلم في غزو الروم أيام أحمد إذا رمى وذكر اسم أحمد أصاب ، وإن الفارس الرومي المتحصن بدرعه وترسه وخوذته لا يصيبه السهم إلّا إذا ذكر اسم أحمد . ومن الغرائب : أنه زار تلميذه ( بقي بن مخلد ) في خان بأطراف بغداد ، فازدحم الناس عليه ، وبعد أن رجع أحمد تهافت الناس على ذلك الخان للتبرك بالمكان الذي جلس فيه ، والمكان الذي وقف فيه ، فربح صاحب الخان لكثرة الوفود وكتب ألواحا وعلقها وفيها : هنا جلس أحمد ، وهنا تكلم ، وهنا وقف « 1 » إلى غير ذلك من الأمور التي شاعت في بغداد .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 448
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٤٨
هامش
( 1 ) الدولة العباسية لحسن خليفة ص 147 .