في نفس الميزان الذي توزن به أعمال غيرهم من الناس « 1 » . ولقد تدخلت الحكومة في مناصرة المعتزلة ، وأخذوا الناس إلى اتباع آرائهم بالقوة . ومر المعتزلة في نشاطهم أيام المأمون والمعتصم والواثق ، وكان المحدثون يقفون أمام هذا الرأي بشتى الأساليب ، وظهر القول بخلق القرآن وقدمه ، فكانت هناك محنة عامة ، فأجاب من أجاب وامتنع من امتنع ، حتى جاء عهد المتوكل فأراد أن يستجلب الرأي العام ، لأن المسألة بلغت إلى أقصى حد من العنف والشدّة ، فأعلن إبطال ذلك في سنة 234 ه وهدد من أثار هذه المسألة ، وأظهر الميل للمحدثين ، ووقف بجانبهم ، فكانت لأصحابهم الغلبة ، وفي ذلك العهد طلع نجم أحمد بن حنبل ، وظهر اسمه لأنه بقية الرجال المبرزين الذين امتنعوا من الإجابة كما هو المشهور . وانتصر المحدثون وشملهم المتوكل بعطفه ورعايته ، وأشخص منهم مائتين ، وكان فيهم : مصعب الزبيري ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، وإبراهيم بن عبد اللّه الهروي ، وعبد اللّه وعثمان ابنا أبي شيبة . فقسمت بينهم الجوائز ، وأجريت عليهم ، وأمرهم المتوكل أن يجلسوا للناس ، وأن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية ، وأن يحدثوا بالأحاديث في الرؤية . فجلس عثمان بن أبي شيبة في مدينة المنصور ، ووضع له منبر واجتمع عليه الناس . وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في مسجد الرصافة ، وقام القصاصون بنشاط واسع ، ووضعت الأحاديث عن صاحب الرسالة صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ونسبوا له زورا أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : ما قيل من قول حسن فأنا قلته . والتف الناس حول أنصار الدولة من المحدثين ، واستمعوا إلى القصاص الآمنين من المؤاخذات ، لأن الدولة لهم تحرسهم والظروف تساعدهم ، وقد أنكر أحمد بن حنبل على ابن أبي شيبة ، وعلى مصعب والهروي وضعّفهم ، وكان انتصار المتوكل للمحدثين حدثا هاما ، فقد أفل نجم المعتزلة ، وسقطت دولتهم ، وقام أهل الحديث باغتنام هذه الفرصة ، فارتفع لواؤهم وتبوؤوا المكانة الرفيعة ، وانتقموا من خصومهم المعتزلة ، بل من كل من يتهم بالميل إليهم ، وحدثت حوادث انتقامية بدون تدبر وترو ، وهكذا شأن من انتصر بعد ظلم ، واعتز بعد ذلة ، فأوقع الحنابلة نقمتهم على كثير ممن لم يشارك المعتزلة في سلطانهم .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 447
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٤٧
هامش
( 1 ) ضحى الإسلام ج 3 ص 196 .