كورة من الكور ، أعظم قدرا ولا أجل عند أهلها من أبي مسهر بدمشق ، إذا خرج اصطف الناس يقبّلون يديه . وقد ثبت عبد الأعلى ولم يجب في المحنة ، فحبسه المأمون ببغداد في شهر رجب لمحنة القول بخلق القرآن ، ومات في الحبس سنة 218 ه « 1 » وأما قول ابن سعيد أنه مات سنة 210 ه فهو خطأ ، لأن المحنة ابتدأت في سنة 218 ه . هؤلاء الرجال هم أشهر من وقف في ذلك المعترك العقائدي ، الذي أثارته الدولة ، وحملت الناس على الخضوع لإرادتها بالتهديد والتوعيد ، والضرب بالسياط ، والقتل والسجن . وإن من ظلامة التاريخ أن تخص هذه المحنة بأحمد بن حنبل فيكون فارسها المحنّك ، وبطلها الأول ، وموقفه الوحيد في نصرة الإسلام منذ بزوغ شمسه في الجزيرة العربية ، ونحن لا ننكر موقفه ولا نبخس حقه ، ولكنا نقول : أن هناك زوائد يجب أن تهمل ، وأطياق وأساطير لا تزيد البحث إلّا تعقيدا كما نشير إليها في المناقب .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 446
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٤٦
إن ما يمتاز به عصر أحمد هو وجود معسكرين متخاصمين كل يحاول أن ينال السبق والتغلب ، ويحاول القضاء على الطرف الآخر ، وهم : المعتزلة ، وأهل الحديث . ولقد بلغ الصراع أشده ، وقامت ثورة فكرية ، وعاطفية ، والسياسة من وراء ذلك تلعب دورها ، وكان كل من المعسكرين ، يأمل آمالا واسعة ، فالمعتزلة كانوا يأملون أن يصبح الاعتزال مذهب الدولة الرسمي ، كما أن الإسلام دينها الرسمي ، فإذا تم ذلك ، انتشر الاعتزال تحت حماية الدولة ، وأصبح أكثر المسلمين معتزلة ، فوحدوا اللّه كما يوحدون ، واعتنقوا أصول الاعتزال كما يعتنقون ، وتحرر المسلمون في أفكارهم ، فأصبح المشرّعون لا يتقيدون بالحديث تقيد المحدثين ، وإنما يستعملون العقل ، ويزنون الأمور بالمصالح العامة ، ولا يرجعون إلى نص إلّا أن يكون قرآنا أو حديثا مجمعا عليه ، وتحرر عقول المؤرخين من المسلمين ، فيتعرضون للأحداث الإسلامية ، بعقل صريح ، ونقل حر ، فيشرحون أعمال الصحابة والتابعين ، ويضعونها
هامش
( 1 ) الخلاصة للخزرجي ص 187 . وشذرات الذهب ج 2 ص 44 .