ومن الحق والإنصاف أن نقول أن المحنة لم تكن مقصورة على أحمد بن حنبل ، وإن كان تصوير موقفه قد أخذ يتسع ويتطور ، وحيكت حوله أساطير وأقوال ، فإن هناك من فقهاء ذلك العصر من كان موقفهم أشد من موقف أحمد في الامتناع ، ومواجهة الخطر ، ومكابدة المحنة ، فقد استشهد الكثير منهم في سبيل معتقده ، وقاوم حتى لقي حتفه ، كما رأينا في موقف محمّد بن نوح وموته وهو مثقل بالحديد ، وإليك ذكر البعض منهم :
شركاء في المحنة :
1 - أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي المقتول سنة 231 ه وهو مروزي من مدينة مرو ، ينتمي لإحدى العشائر الكبيرة في قبيلة خزاعة ، ومن تلامذة مالك بن أنس ، روى عنه ابن معين ومحمّد بن يوسف الطباع .
وكان من أهل العلم ، صلبا في عقيدته ، قويا في معارضته ، وقال أحمد بن حنبل فيه بعد أن قتل : ( لقد جاد بنفسه ) كما أن له مكانة في المجتمع ، فقد شغل أبوه وجدّه المناصب العالية في عهد الخلفاء العباسيين ، كما اشتهر هو في الوقت نفسه بالأمانة ، والعدالة بين المحدثين من أهل السنّة .
قبض عليه والي بغداد ، وامتحنه الواثق وسأله : ما تقول في القرآن ؟
قال : كلام اللّه ليس بمخلوق . فحمله أن يقول إنه مخلوق ، فأبى .
وسأله عن رؤية اللّه يوم القيامة ( والمعتزلة ينكرونها ) فقال بها ، وروى له الحديث في ذلك .
فقال الواثق : ويحك هل يرى كما يرى المحدود المتجسم ، ويحويه مكان ، ويحصره الناظر ، إنما كفرت برب هذه صفته .
ولما أصر أحمد الخزاعي على رأيه ، دعا الخليفة بالسيف المسمى الصمصامة وقال : إني احتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد ربا لا نعبده ، ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها . ثم مشى إليه بنفسه ، فضرب عنقه ، وأمر به فحمل رأسه إلى بغداد ، فنصب بالجانب الشرقي أياما ، ثم بالجانب الغربي أياما ، ولما صلب كتب الواثق ورقة وعلقت في رأسه : ( هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك دعاه عبد اللّه الإمام هارون - وهو الواثق - إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه ، فأبى إلّا المعاندة ، فعجل اللّه به إلى ناره ) .