أدن مني ( كنية المعتصم ) واتعظ بما يرى ، وخذ بسيرة أخيك في خلق القرآن « 1 » . فاشتد المعتصم في امتحان الناس ، اتباعا لسيرة أخيه وجريا على نهجه الذي لم يتصف بصفة الرأفة ، ولا يحول بينه وبين إيقاع المكروه بمن يريد أي حائل ، مع ما فيه من النشاط العسكري ، وقوة الإرادة والشجاعة التي امتاز بها ، لم يكن رجل علم ، بل رجل سيف لا يضعه عن عاتقه . ولا حاجة لنا بذكر جميع أطراف المحنة « 2 » ، والمؤاخذة ، ولكنا نشير لما يخص صاحبنا - أحمد بن حنبل - في ذلك ، وموقفه في مجابهة تلك الشدة ، وكيف نجا من سطوة المعتصم ، وشدّه ابن أبي دؤاد ، وهو كبير المعتزلة ، وبطل هذه المعركة ، فهل أجاب أحمد لما أراد الخليفة فخلى سبيله ؟ أم أن المعتصم خشي وقوع الفتنة عندما يقتله إن أصر على الامتناع ؟ أم أنه رق عليه وأعجب بشجاعته وثباته ؟ وقد ذكر بعض المؤرخين أن أحمد أجاب في المحنة ، وانقطع عن المناظرة كما سنبينه قريبا . وعلى وجه الإجمال فإن المعتصم اشتد في امتحان الناس ، وكان أحمد سجينا عنده فأمر بحمله إليه ، وقال حاكم البلد : إن الخليفة قد أقسم إلّا أن يقتله بالسيف ، وأنه سوف يضربه ضربا بعد ضرب ، وأنه سيزجّه في مكان مظلم لا يرى فيه النور . وسار أحمد إلى المعتصم ، فلما دخل عليه وابن أبي دؤاد وأصحابه في حضرته ، والدار غاصة بأهلها وبالقضاة والفقهاء من أتباع الدولة ، ناظروه ولم يستطيعوا إخضاعه . فقال ابن أبي دؤاد : يا أمير المؤمنين إنه ضال مضل مبتدع . وبقي أحمد ثلاثة أيام يؤتى به كل يوم للمناظرة ، عسى أن يرضخ لحكم السلطة ، ولكنه استعصم ولم يجب ، فلما يئس المعتصم منه أمر بضربه بالسياط ، وقد اختلف في عددها ، فقيل ثمانية وثلاثين ، وقيل أقل من ذلك . وعلى أي حال : فإن تعذيب أحمد لم يدم ، بل أن المعتصم أطلق سراحه ، وخلع عليه ، وقد ذكر بعضهم أن السبب هو أن العامة قد تجمعوا على دار السلطان أو
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 440
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٤٠
هامش
( 1 ) ابن حنبل لمحمّد أبو زهرة ص 47 .
( 2 ) مقدمة كتاب أحمد بن حنبل والمحنة ص 14 نقلا عن هامش الكامل ج 3 ص 131 - 139 .