تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 441

مساهمون:

ص٤٤١

همّوا بالهجوم ، فأمر المعتصم بإطلاقه ، وهذا لا يتمشى مع واقع الأمر ، فإن المعتصم لم يعرف بضعف الإرادة ، وكانت دولته في إبان عظمتها وقوة سلطانها ، فلا يؤثر فيها استنكار عدد قليل من الناس ، على ما يفعله من الأمور . وذهب بعض إلى أن أحمد أجاب الخليفة ، فأطلق سراحه كما جاء في رسالة الجاحظ التي تمثل وجهة نظر المعتزلة تمثيلا صادقا ، فهي تنسب لأحمد انقطاعه عندما ناقشه أحمد بن أبي دؤاد بمحضر المعتصم ، وأقام عليه أدلة من الكتاب وأدلة عقلية . قال الجاحظ في رسالته مخاطبا أهل الحديث بعد أن ذكر المحنة والامتحان : وقد كان صاحبكم هذا ( أي الإمام أحمد ) يقول : لا تقية إلّا في دار الشرك ، فلو كان ما أقر به من خلق القرآن ، كان منه على وجه التقية ، فلقد أعملها في دار الإسلام . وقد أكذب نفسه ، وإن كان ما أقر به على الصحة والحقيقة ، فلستم منه وليس منكم ، على أنّه لم ير سيفا مشهورا ، ولا ضرب ضربا كثيرا ، ولا ضرب إلّا بثلاثين سوطا مقطوعة الثمار ، مشبعة الأطراف ، حتى أفصح بالإقرار مرارا ، ولا كان في مجلس ضيق ، ولا كانت حاله مؤيسة ، ولا كان مثقلا بالحديد ، ولا خلع قلبه بشدة الوعيد . ولقد كان ينازع بألين الكلام ويجيب بأغلظ الجواب ، ويرزنون ويخف ، ويحلمون ويطيش « 1 » . هذا ما أردنا إثباته من هذه الرسالة التي تعتبر وثيقة معاصرة نجت مما أتلفه أهل السنّة من مؤلفات المعتزلة ، وهي تدلنا على إقرار أحمد واعترافه بأن القرآن مخلوق ، مؤيدة بما ذكره اليعقوبي في تاريخه . وامتحن المعتصم أحمد بن حنبل في خلق القرآن ، فقال أحمد : أنا رجل علمت علما ولم أعلم فيه بهذا ، فأحضر له الفقهاء وناظره عبد الرّحمن بن إسحاق وغيره ، فامتنع أن يقول أن القرآن مخلوق ، فضرب عدة سياط ، فقال إسحاق بن إبراهيم : ولني يا أمير المؤمنين مناظرته . فقال : شأنك به . فقال إسحاق : هذا العلم الذي علمته نزل به عليك ملك أو علمته من الرجال ؟ فقال أحمد : بل علمته من الرجال .

هامش
( 1 ) تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 198 .