فقال ( إسحاق ) : شيئا بعد شيء أو جملة ؟ قال : علمته شيئا بعد شيء . قال ( إسحاق ) : فبقي عليك شيء لم تعلمه ؟ قال أحمد : بقي علي شيء لم أعلمه . قال إسحاق : فهذا مما لم تعلمه ، وعلمكه أمير المؤمنين . قال أحمد : فإني أقول بقول أمير المؤمنين . قال إسحاق : في خلق القرآن ؟ قال أحمد : في خلق القرآن . فأشهد عليه وخلع عليه ، وأطلقه إلى منزله . هذا ما يستدل به على إجابة أحمد للمعتصم ، من أقوال رجال هم أقرب الناس من عهده ، وأطلعهم على حوادثه . وبدون شك أن امتحان أحمد كان من أكبر العوامل لانتشار ذكره واتجاه الناس إليه ، وأنه بعد أن استقر في بيته بعد ما عفى عنه المعتصم ، التف حوله جماعة للسماع منه في المسجد يدرس مدة بقاء المعتصم ، وبعد وفاة المعتصم تقلد ولده الواثق الخلافة ، وصار أحمد محدّثا مشهورا ، فعظم ذلك على قاضي بغداد الحسن بن علي بن الجعد ، فكتب إلى ابن أبي دؤاد « 1 » بذلك ، فلما سمع أحمد امتنع من تلقاء نفسه . ولما قام الواثق بالأمر ، أعاد امتحان أحمد ، ولكنه لم يتناوله بأذى ، كما فعل المعتصم ، واكتفى بمنعه من الاجتماع بالناس ، فأقام أحمد مختفيا لا يخرج إلى صلاة ولا غيرها حتى مات الواثق .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 442
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٤٢
هامش
( 1 ) أحمد بن أبي دؤاد بن جرير القاضي الايادي ، المتوفى سنة 240 ه كان من أقوى شخصيات عصره ، وله الأثر الكبير في المجتمع ، وكان من أصحاب واصل بن عطاء ، فصار إلى الاعتزال .
وهو بطل الثورة الفكرية أيام المحنة ، لمكانته في الدولة ونفوذه ، وقد اتصل بالمأمون فأعجب به لعقله وحسن منطقه ؛ فقربه وأصبح ذا نفوذ كبير في قصره ، وكان من وصية المأمون للمعتصم :
( وأبو عبد اللّه أحمد بن أبي دؤاد لا يفارقك الشركة في المشورة في كل أمرك ، فإنه موضع ذلك ) .
فلما ولي المعتصم جعل بن أبي دؤاد قاضي القضاة مكان يحيى بن أكثم ، وكان كذلك قاضي القضاة في أيام الواثق ، فلما ولي المتوكل أصيب بالفالج وأفل نجمه ، فكانت مدة عظمة بن أبي دؤاد ونفوذه نحوا من ثمان وعشرين سنة ، أي من سنة 204 ه إلى سنة 232 ه . وقد تابع ابن أبي دؤاد بنفسه معاقبة الناس المخالفين للمعتزلة ، وأشرف على إنزال الأذى بهم .