امتحان أحمد بن حنبل :
جاء في كتاب المأمون الرابع لعامله إسحاق يأمره بأن يستدعي بشر بن الوليد ، فإن أصر على الامتناع تضرب عنقه ، وكذلك أمره في إبراهيم بن المهدي ، وأما الباقون يعيد عليهم الكرة ، فمن أبى منهم يحمل موثقا إلى عسكر المأمون مع من يقوم بحفظهم .
فجمعهم إسحاق ، وقرأ عليهم كتاب المأمون ، فأجاب كافة الفقهاء ما عدا أحمد بن حنبل ، وسجادة ، والقواريري ، ومحمّد بن نوح . فأمر بهم إسحاق بن إبراهيم ، فشدوا في الحديد ، فلما أصبحوا أعاد امتحانهم ، فاعترف سجادة بخلق القرآن فأطلقه . وبعد يوم آخر أجاب القواريري بأن القرآن مخلوق فأخلى سبيله ، ولم يبق إلّا أحمد بن حنبل ومحمّد بن نوح .
فكتب حاكم بغداد إلى المأمون بذلك ، فأمره بأن يشخص إليه أحمد بن حنبل ، ومحمّد بن نوح موثقين في الأغلال ، ولما وصلا في طريقهما إلى قرب الأنبار ، وفي أثناء الطريق جاءهم نعي المأمون .
فأما محمّد بن نوح فقد مات وهو عائد إلى بغداد بعد موت المأمون ، ففك قيده وصلّى عليه أحمد بن حنبل ، وبهذا ينتهي دور أحمد في عصر المأمون .
في عهد المعتصم :
لم تنقطع المحنة عن العلماء بوفاة المأمون ، بل اتسع نطاقها ، وزادت ويلاتها ، وكانت شرا مستطيرا ، فقد بلغ البلاء أشده ، والمحنة أقصاها في عهد المعتصم ، ثم في عهد الواثق .
لقد أوصى المأمون قبل وفاته أخاه المعتصم بالاستمساك بمذهبه في القرآن ، ودعوة الناس إليه بقوة السلطة ، وكأنه فهم أن تلك الفكرة دين واجب الاتباع ، لا يبرأ عنقه منها من غير أن يوصي خلفه به فوصاه ، فقد جاء في مطلع وصيته : هذا ما أشهد عليه عبد اللّه بن هارون الرشيد . أمير المؤمنين بحضرة من حضره ، أشهدهم جميعا على نفسه . أنه يشهد هو ومن حضره ، أن اللّه عزّ وجل وحده لا شريك له في ملكه ، ولا مدبر لأمره غيره ، وأنّه خالق ، وما سواه مخلوق ، ولا يخلو القرآن أن يكون شيئا له مثل كل شيء ، ولا شيء مثله تبارك وتعالى . وجاء في وسط الوصية : يا أبا إسحاق