تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨

الأمر ، والمحافظة على الإسلام ، لأنهم حاولوا أن يصبغوا دولتهم بصبغة الدين ، وأن يظهروا أمام الناس بمظهر المحافظة على مبادئه ، وأن سلطانهم هو سلطان اللّه ، ويحكمون بأمره ، ويسيرون على هدى الرسول ، فمنحوا أنفسهم ألقاب الحماية عن الدين ، وإمامة المسلمين ، بدعوى احتفظوا بها لأنفسهم وأنهم يسيرون بالعدل ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، وأنهم أهل بيت النبي وورثته ، إلى غير ذلك من الألفاظ الفارغة التي يحاولون من ورائها الاستئثار بالحكم ، وعدم السماح لأي أحد أن يصيح في وجوههم مطالبا بحق ، أو يرفع صوته استنكارا لسوء السيرة التي ساروا عليها في حكمهم ، لأنهم يريدون أن يبقى الناس مسخّرين لإرادتهم ، وأداة طيّعة لهم ، إذ يزعمون أن اللّه أوجب حقهم ، وأن سلطانهم هو سلطان اللّه ، وأنهم جاءوا لخير الناس ولا يعملون إلّا الصالح ، ويتجنّبون الضار . فالخليفة عندهم ليس ملكا على دولة سياسية فقط ، بل هو ملك على دولة دينية تحيط به رسوم دينية ، ويريد أن يعتبر إماما للمسلمين ، وأنه خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في قيادة الأمة قيادة روحية ، وأن اللّه منحه منزلة خاصة ، فبينما كان الأمويون يتقلّدون الصولجان ويلبسون الخاتم رمزا على الحكم ، وعلى أنهم ورثوا ذلك عن أسلافهم ، ترى العباسيين يتقلدون البردة ، التي كان الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم منحها لكعب بن زهير ، عندما مدحه بقصيدة ( بانت سعاد ) وكان الخليفة العباسي الأول هو أول من سن هذا التقليد ، ثم ورثها الخلفاء من بعده ، فكانوا يلبسون هذه البردة في حفلات البيعة وغيرها ، حتى في الحفلات الحربية ، وكثيرا ما كانوا يلبسونها في صلاة الجماعة . يقول هلال الصّابي عند كلامه عن جلوس الخلفاء وما يلبسونه في المواكب : الذي جرت به العادة أن جلوس الخليفة على كرسي مرتفع ، ويكون لباسه السواد ، ويجعل على رأسه عمامة سوداء رصافية ، ويتقلد سيف النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ويلبس خفا أحمرا ، ويضع بين يديه مصحف عثمان رحمه اللّه ، الموجودة في الخزائن ، وعلى كتفيه بردة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 1 » . وبهذه الصفة والمظاهر الخلّابة استطاعوا التأثير على مشاعر الكثير من الناس ، لينظروا إليهم نظرة التقديس والاعتقاد بأنّهم ورثة النبي وهم أحق بالأمر ، وهنا يعتبر كل من أنكر أعمالهم أو خرج عليهم خارجا على المسلمين ، متعد لحدود اللّه .

هامش
( 1 ) نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ص 193 .