وسرى هذا الاعتقاد في نفوس البسطاء منذ نشأة الدولة ، يحدّثنا الطبري : أن وفدا دخل على أبي العباس السفاح يقدمهم غيلان بن عبد اللّه الخزاعي ، فقال للسفاح : أشهد أنك أمير المؤمنين وأنك حبل اللّه المتين ، وأنك إمام المتقين . فقال السفاح : حاجتك يا غيلان . قال : أستغفرك . قال السفاح : غفر اللّه لك . والواقع أن نجاح العباسيين في مهمة هذه الادعاءات كان بحاجة إلى بذل الجهد وإلى دعاية قوية ، لتركيز هذه العقيدة ، ووضع كثير من الأساطير حولها ، وادعاء البشارة بالدولة الجديدة التي تكفل للناس سعادتهم ، وتقضي على الشقاء الذي عاناه الناس في العهد الأموي ، وقد قام علماء السوء في الدولة - وهم الذين تمكن الضعف من نفوسهم وأخذ الطمع بزمام عقولهم - بنشر تلك الدعوة الكاذبة ، وحياكة الأساطير وخلق الأحاديث ، حتى استمر الاعتقاد يعمل عمله في نفوس كثير من الناس ، فأصبح من لا يؤمن بشرعية السلطان العباسي زنديقا ، وهذا ما نعبر عنه بالزندقة السياسية التي وسم بها كثير من الناس الذين استنكروا على العباسيين سوء سيرتهم ، وأدركوا على مرور الأيام وتكرر الحوادث زيف ما يدّعونه من العدل الشامل والحكم العادل ، وأنهم ورثة النبي وأهل بيته ، وهم أحق الناس بالأمر وأولاهم بالحكم ، فكان المنكرون لتلك الأوضاع يتهمون بالزندقة ، ويكون نصيبهم القتل ، لأنهم عارضوا سلطان اللّه وخليفة رسوله ، مع تظاهره بما يخالف ذلك ، وأنهم أبعد ما يكون عن اتباع أوامر الإسلام ، ففي عهد السفاح سفكت دماء بريئة ، وهدمت قرى آمنة ، واستبيحت حرمات وهتكت أعراض . وكان القواد يستعملون مادة الفناء والإبادة اتباعا لأمر الخليفة العباسي وهي : من اتهمته فاقتله « 1 » . ولمّا ولّي يحيى بن محمّد العباسي على الموصل من قبل أخيه السفاح ، بعد أن أنكروا أعمال عامله السابق وهو محمّد بن صول ، فلما دخل يحيى بلد الموصل لم يظهر لأهله شيئا ينكرونه ، ولم يعترضهم فيما يفعلونه ، ثم دعاهم فقتل منهم اثني عشر رجلا ، فنفر أهل البلد وحملوا السّلاح فأعطاهم الأمان ، وأمر فنودي من دخل الجامع فهو آمن ، فأتاه الناس يهرعون إليه ، فأقام يحيى الرجال على أبواب الجامع ، فقتلوا الناس قتلا ذريعا أسرفوا فيه ، فقيل أنه قتل عشرين ألفا ممن لهم
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 419
مساهمون: اسد حيدر
ص٤١٩
هامش
( 1 ) الطبري ج 9 ص 142 حوادث سنة 132 ه .