والاقتصادية ، ونبذ الآراء المختلفة ، وترك الهوى والانقسام في الدين ، والتفرق فيه ، لتتكون وحدة إسلامية تجمع المسلمين تحت راية القرآن . وتعاليم الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولتحصل الأخوة العامة ، والمساواة التامة ، والتضامن الاجتماعي ، وما يقوم عليه من تعاون وتعاطف ، وتراحم وعدل وإحسان ، وصدق وصبر ، وبر وخير ، إذ أن الدين الإسلامي قد وضع نظام المعاونة والمساعدة بين أفراده لتحصل بينهم روابط الإلفة والمحبة ، وقد سبق جميع الأمم إلى هذا النظام . كما قد رأينا فيما سبق كيف اعتزل الإمام الصّادق عليه السّلام السياسة ، ونهج منهج التماسك ، واحتفظ بمكانته العلمية ، وهو الشخصية التي كانت الأنظار متجهة إليه ، والناس ينظرون إليه نظرة إجلال وإكبار ، لما منحه اللّه تعالى من طهارة النفس ، وشرف المحتد ، وفضل القربى ، وقوة العقل والإدراك ، والفقه في الدين ، مما جعل مدرسته يؤمّها طلاب العلم من مختلف الأقطار ، على اختلافهم في النزعات والآراء ، فكان يعلم الجاهل ، ويرشد الضال ، ويهدي إلى سواء السبيل . وحسبنا دلالة على ذلك انتماء العلماء المبرزين لمدرسته من الذين أصبحوا رؤساء مذاهب ، وأئمة فرق ، وكل معترف بفضله ومقرّ بعلمه ، ومفتخر بانتمائه لمدرسته . حتى كان أهل العلم الذين سمعوا منه إذا رووا عنه قالوا : أخبرنا العالم « 1 » . سار الإمام الصّادق في طريق الدعوة الإصلاحية ، وترك الجانب السياسي ، ولم يزج نفسه في المعترك الذي عظم خطره ، لأنه كان يرى أن الوقت غير ملائم . ولم يكن له من العدة والعدد ما يستطيع أن يخوض تلك المعركة ، فأراد عليه السّلام أن يخوض معركة علمية عن طريق التوجيه والإصلاح الاجتماعي ، ليهذّب النفوس من نزعات الشر والفساد ، وقد رأينا كيف كانت دعوته ، وكيف أنه ألزم الدعاة إلى العمل بما يدعون إليه ، كما عبر عن ذلك عليه السّلام بالدعوة الصامتة . وقد كان أثر هذه الدعوة إلى الإصلاح الذي كان ينشده الإمام الصّادق عظيما على المنصور ، فلم ترق في عينه ، ولم تقع منه موقعا حسنا ، بل كان يظهر غضبه مرة ويكتمه أخرى ، لأنه يعتبر إقبال الناس على الإمام الصّادق عليه السّلام وانتشار دعوته إلى الإصلاح الاجتماعي ، منهاج ثورة يستفحل خطرها ، وليس في إمكانه إخمادها .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 416
مساهمون: اسد حيدر
ص٤١٦
هامش
( 1 ) تأريخ ابن واضح ج 3 ص 115 .