خواتيم ، فلما كان الليل سمع يحيى صراخ النساء اللاتي قتل رجالهن فسأل عن ذلك فأخبر به ، فقال : إذا كان الغد فاقتلوا النساء والصبيان . ففعلوا ذلك واستباح الزنوج نساء البلد ، فلما فرغ يحيى من قتل أهل الموصل ركب في اليوم الرابع وبين يديه الحراب والسيوف المسلولة ، فاعترضته امرأة وأخذت بعنان دابته فأراد أصحابه قتلها فنهاهم عن ذلك فقالت له : ألست ابن عم رسول اللّه ؟ أما تأنف للعربيات المسلمات ! . فأمسك عن جوابها ، وسيّر معها من يبلغها مأمنها ، فلما كان من الغد جمع الزنوج للعطاء وكان عددهم أربعة آلاف فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم « 1 » إلى غير ذلك من الأمور التي جرت في عهده على قلة أيامه . أما في عهد المنصور فكان الأمر أدهى وأمر ، فقد واجه الناس في عهده ألوانا من الظلم ، مما لا عهد لهم به من قبل ، كما صب جام نقمته على العلويين ، فعاملهم معاملة لم يشهد التاريخ مثلها ، وطاردهم وضيّق عليهم الدنيا ، وأذاقهم أنواع الأذى وضروب المحن ، فلم يرحم كبيرا ، ولم يعطف على صغير ، ولم ينكسر لصوت ثاكل ونياح امرأة . ومع هذا كله فقد كان يسبغ على أعماله أبراد القداسة ، وينتحل السلطان الشرعي ، وأن ما يفعله بإرادة اللّه وإذنه ، فقد صرح بذلك على المنبر في عدة مواطن ، وكما جاء في بعض خطبه يوم عرفة بقوله : أيها الناس إنما أنا سلطان اللّه في أرضه ، أسوسكم بتوفيقه وتسديده ، وأنا خازنه على فيئه أعمل بمشيئته ، وأعطيكم بإذنه ، فقد جعلني اللّه عليه قفلا ، إذا شاء أن يفتحني لأعطياتكم وقسم فيئكم فتحني ، وإذا شاء أن يقفلني أقفلني ، فارغبوا إلى اللّه أيها الناس ، وسلوه في هذا اليوم الشريف أن يوفقني للصواب ، ويسددني للرشاد ، ويلهمني الرأفة فيكم ، والإحسان إليكم « 2 » . فأنت ترى أن المنصور يحاول أو يوجه الناس إلى الاعتقاد بشخصيته ، اعتقادا يجعلهم يؤمنون بصحة أعماله ، لأنها تصدر بمشيئة اللّه ، إذ جعله واليا للأمر ، حاكما للأمة ، ليركز بذلك عرشه الذي بات يضطرب فوق تيارات المؤاخذات ، بل الثورات
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 420
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٢٠
هامش
( 1 ) الكامل لابن الأثير ج 5 ص 212 حوادث سنة 135 ه .
( 2 ) الطبري ج 9 ص 310 .