تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
يشغل به مكان ، ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان ، تشهد بذلك آثاره ، وتدل عليه أفعاله ، والذي بعث بالآيات المحكمة والبراهين الواضحة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الذي جاءنا بهذه العبادة ، فإن شككت في شيء من أمره فاسأل عنه أوضحه لك » . فأبلس ابن أبي العوجاء ولم يدر ما يقول ، فانصرف من بين يديه ، فقال لأصحابه : سألتكم أن تلتمسوا لي خمرة فألقيتموني على جمرة . فقالوا له : اسكت فو اللّه لقد فضحتنا بحيرتك وانقطاعك ، وما رأينا أحقر منك اليوم في مجلسه . فقال : ألي تقولون هذا ؟ إنه ابن من حلق رؤوس من ترون ، وأومأ بيده إلى أهل الموسم . هذا أنموذج من أجوبته عليه السّلام ومناظراته في باب التوحيد ، وقد اقتصرنا على هذا البعض ولا يسعنا ذكر أكثر منه لضيق المجال ورعاية للاختصار .

خلاصة الصراع بين دعوة الإمام الإصلاحية ودولة المنصور العباسية

رأينا فيما مضى من الأبحاث السابقة عن حياة الإمام الصّادق عليه السّلام كيف كانت دعوته الإصلاحية في ذلك العصر الذي سادت فيه موجة عاتية من الفتن ، عندما انطلقت الأفكار ، وعصفت الآراء ، واختلف الناس فيما بينهم ، فتكالبوا على حب الذات والظفر ، وتطاحنوا على الغلبة والتفوق ، فانتشرت البدع والخرافات ، وظهرت الفرق التي تتشح بثوب الإسلام ، ولكنها تتجافى عن تعاليمه وتتنكر لمبادئه ، والتي هي في الواقع أشد ضررا على الإسلام من سائر الملل والديانات الأخرى ، وكان أعظمها عليه أولئك المندسين في صفوف المسلمين ، وفيهم من يدّعي حب أهل البيت ، والانتماء إليهم ، ولكنهم خصوم لهم وأعداء لدعوتهم ، لذلك كان اهتمامه عليه السّلام في أمرهم عظيما ، وموقفه تجاههم حاسما ، فحاربهم حتى استأصل شأفتهم ومحى صفحتهم ، وقد أشرنا لذلك فيما سبق . ولكن المغرضين من خصوم الشيعة اتخذوا ذلك وسيلة للتحامل عليهم والوقيعة بهم ، ووصفهم بكل ما هو شائن . وبمزيد الأسف أن يتأثّر بتلك الدعاية كثير من ذوي الثقافة ، فوقعوا في إثم الاتهام الكاذب ، وتلبسوا بجريمة مخالفة الواقع . وعلى أي حال : فقد كان الإمام الصّادق يدعو إلى الإصلاح بين الناس والتمسك بتعاليم الدين ، والأخذ بمبادئ الإسلام لحياتهم الفردية والاجتماعية