تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧

لذلك بقي المنصور متخوفا من آل علي بصورة عامة ، ومن الإمام الصّادق بصورة خاصة ، وكان يعبر عنه ( بالشجى المعترض بحلقه ) فلم يزل يقلّب وجوه الرأي ويدبر المكيدة وينصب له حبال الحيل ، لكي يقع الإمام الصّادق في قبضته ، فزوّر الكتب ، وأرسل إليه من يستميله إلى الثورة ، ولكنه عليه السّلام كان أمنع من عقاب الجو ، فحلّق بسداد رأيه وصفاء تفكيره ، وعلمه بما وراء الحوادث ، وكشف القناع عن تلك الدسائس ، وفشل المنصور بما افتعله من تهم ليدين الإمام بذلك فيأخذه بحجة الخروج على الدولة التي ادعى أنها دولة شرعية ، والخروج عليها خروج على سلطان اللّه . ولقد استعمل المنصور تلك الخطط مع زعماء آل علي ، فكانت هناك ثورات دموية استطاع المنصور أن يقضي بواسطتها على البقية من آل علي والظفر بهم ، وقتلهم بصورة بشعة ، بعد أن أذاقهم أنواع الأذى وضروب التنكيل والمحن ، وهذا ما كان يخشاه الصّادق عليهم عندما أمرهم بالتريث وعدم الاستجابة للدعاة في الثورة . فلقد كان الإمام الصّادق يدفع عن نفسه سيف المنصور بكل السبل ، ويحذر أن يصدر منه ما يتذرع به ذلك الطاغية للقضاء عليه ، فكان يلح عليه بالطلب . ولولا معرفة المنصور ويقينه بأنه عليه السّلام كان يتحاشى أن يجعل للسلطان سبيلا عليه ويحذر ذلك كل الحذر لما كانت استدعاءاته التي قاربت العشرة لاستفزازه وإثارة حفيظته حتى لجأ إلى إساءة الأدب والتطاول عسى أن يبدر من الإمام ما يعتذر به المنصور لقتله . فهذا حال الإمام مع المنصور ، وهو على هذا الاحتراز والاحتياط ، فكيف يفعل المنصور بمن يشهر السيف ؟ وكان المنصور يحج ولا يهمّه إلّا أمر الإمام ووجوده ، فرواية الربيع صاحب أبي جعفر : حججت مع أبي جعفر المنصور ، فلما صرت في بعض الطريق قال لي المنصور : يا ربيع ، إذا نزلت المدينة فاذكر لي جعفر بن محمّد ، فو اللّه العظيم لا يقتله أحد غيري ، احذر أن تدع أن تذكرني به . وفي إحدى المرات كان المنصور ينتضي سيفه شيئا فشيئا وهو يخاطب الإمام الصّادق « 1 » . وكانت الدولة العباسية منذ نشأتها الأولى تنتحل وراثة النبي ، وأنهم أولى الناس بأمر الأمة ، وهم الذين يمثلون الخلافة الراشدة ، من العدل في الحكم ، والاستقامة في

هامش
( 1 ) مهج الدعوات للسيد ابن طاوس ص 184 - 194 - 195 .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 417 | اسد حيدر