المتلاحقة ، لسوء سيرته التي لا تتناسب مع واقع ادعائه ، ومع علمه بأن قلوب أكثر الناس مع أهل البيت ، كما أزعجه موقف الإمام الصّادق وانتشار ذكره . ويمكننا أن نعتبر ما يصدر منه من تقريب العلماء والتظاهر بالزهد ، والإصغاء للوعظ ، إنما هي أساليب يستعين بها على تحقيق أهدافه ، وليجعل في شخصيته ثقة للناس الذين تخدعهم المظاهر ، وتسحرهم الألفاظ ، كما يحاول أن يهدم ثقة الناس بمن هو أولى به من أهل البيت . فنراه يصغي لوعظ عمرو بن عبيد ، ويبكي أمامه من خشية اللّه كأنه لم يرتكب جريمة ، خشية من اللّه وخوفا من عقابه . ويحاول أن يؤثر على عمرو بن عبيد فلا يميل إلى ما يدعوه محمّد بن عبد اللّه الثائر الذي هزّت ثورته أركان سلطانه وجعلت المنصور لا يهدأ ليلا ولا نهارا . فقد بلغه أن محمّد بن عبد اللّه ، النفس الزكية ، كتب إلى عمرو بن عبيد - رئيس المعتزلة - يستميله ، فضاق المنصور بذلك ذرعا وأرسل إلى عمرو بن عبيد ، فلما وصله أكرمه وشرّفه ، وقال : بلغني أن محمّد بن عبد اللّه كتب إليك كتابا ، قال عمرو : قد جاءني كتاب يشبه أن يكون كتابه ، فقال المنصور : فبم أجبته ؟ قال عمرو : لم أجبه إلى ما أراد . ثم قال المنصور لعمرو : عظنا يا أبا عثمان . فقال عمرو : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ، بسم اللّه الرحمن الرحيم ، ألم تر كيف فعل ربك بعاد ، إرم ذات العماد . . . إلى آخرها . فبكى المنصور بكاء شديدا كأنه لم يسمع تلك الآيات إلّا الساعة . ثم قال عمرو : اتق اللّه قد أعطاك الدنيا بأسرها ، فافتد نفسك ببعضها ، واعلم أن الأمر الذي صار إليك إنما كان بيد غيرك ممن كان قبلك ، ثم أفضى إليك . إلخ . فعاد المنصور إلى بكائه حتى كادت نفسه تفيض « 1 » . هكذا أظهر المنصور نفسه أمام رجل من العلماء ، وزعيم من زعماء الطوائف بمظهر السلطان الخائف من اللّه ، الباكي من خشيته ، لتنطبع في ذهنه صورة عن إمام المسلمين ، فيبلغها أصحابه حتى تبرد عزائمهم عن مؤاخذته ، والإنكار على أعماله ، وقد نجحت حيلة المنصور ، فلم يلتحق عمرو بثورة النفس الزكية ، كما أن المعتزلة لم
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 421
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٢١
هامش
( 1 ) حور العين لأحمد بن فارس ص 210 .