فأجابه الإمام جعفر : « كيف اختفى عنك من أظهر قدرته في نفسك أنت ، وفي نمائك ؟ ! ! » وكان جوابا بليغا حتى قال ابن أبي العوجاء لأصحابه : وظل يحصي لي قدرة اللّه التي في نفسي ، والتي لم أستطع رفضها حتى ظننت أن اللّه قد نزل بينه وبيني « 1 » . وله مناظرة أخرى : كان ابن أبي العوجاء وابن طالوت وابن المقفع في نفر من الزنادقة مجتمعين في الموسم بالمسجد الحرام ، وأبو عبد اللّه جعفر بن محمّد عليهما السّلام فيه إذ ذاك يفتي الناس ويفسّر لهم القرآن ، ويجيب عن المسائل بالحجج والبينات ، فقال القوم لابن أبي العوجاء : هل لك في تغليط هذا الجالس وسؤاله عما يفضحه عند هؤلاء المحيطين به ، فقد ترى فتنة الناس به وهو علّامة زمانه ؟ فقال لهم ابن أبي العوجاء : نعم . ثم تقدم ففرق الناس فقال : يا أبا عبد اللّه أفتأذن لي في السؤال ؟ فقال له أبو عبد اللّه : « سل إن شئت » . فقال ابن أبي العوجاء : إلى كم تدوسون هذا البيدر ، وتلوذون بهذا الحجر ، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدر ، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر ؟ من فكّر في هذا وقدّر علم أنه فعل غير حكيم ولا ذي نظر ، فقل فإنك رأس هذا الأمر وسنامه ، وأبوك أسسه ونظامه . فقال له الإمام الصّادق عليه السّلام : « إن من أظله اللّه وأعمى قلبه ، استوخم الحق فلم يستعذبه ، وصار الشيطان وليه ، يورده مناهل الهلكة وثم لا يصدره . وهذا بيت استعبد اللّه به عباده ليختبر طاعتهم في إتيانه ، فحثهم على تعظيمه وزيارته ، وجعله محل أنبيائه وقبلة للمصلين له ، فهو شعبة من رضوانه ، وطريق يؤدي إلى غفرانه ، منصوب على استواء الكمال ، ومجتمع العظمة والجلال ، خلقه اللّه قبل دحو الأرض بألفي عام ، فأحق من أطيع فيما أمر ، والنهي عما نهى عنه وزجر ، هو اللّه المنشئ للأرواح والصور » . فقال له ابن أبي العوجاء : ذكرت يا أبا عبد اللّه فأحلت على غائب . فقال الإمام الصّادق عليه السّلام : « كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد ، وهو أقرب إليهم من حبل الوريد ، يسمع كلامهم ، ويعلم أسرارهم ، لا يخلو منه مكان ولا
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 414
مساهمون: اسد حيدر
ص٤١٤
هامش
( 1 ) من تاريخ الإلحاد للأستاذ عبد الرّحمن بدري ص 69 .