أن يكون قد تلقى هذه الفكرة من مزدكية العراق أو اليمن ، واعتنقها أبو ذر حسن النية ، وصبغها بصبغة الزهد التي كانت تجنح إليها نفسه . . . ويقول الدكتور حسن إبراهيم في كتابه ( تاريخ الإسلام السياسي ) بعد أن ذكر بيان الحالة التي كان عليها المسلمون في أخريات خلافة عثمان : فكان الجو ملائما تمام الملاءمة ، ومهيئا لقبول دعوة عبد اللّه بن سبأ ، والتأثر بها إلى أبعد حد . وقد أذكى نيران هذه الثورة صحابي قديم ، اشتهر بالورع والتقوى ، وكان من كبار أئمة الحديث ، وهو أبو ذر الغفاري « 1 » الذي تحدّى سياسة عثمان ، ومعاوية واليه على الشام ، بتحريض رجل من أهل صنعاء هو عبد اللّه بن سبأ ، وكان يهوديا فأسلم ، ثم تنقل في البلاد الإسلامية ، فبدأ بالحجاز ، ثم البصرة ، فالكوفة ، والشام ومصر . فأنت ترى أن هذا الصحابي الجليل ، الذي امتاز بصدق اللهجة ، ووضوح الحجة ، فاستحق أن يقول الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن أخلاقه : « ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر » « 2 » قد تجنّي عليه بما نسبوه إليه من التأثّر بآراء مزدك بواسطة ابن السوداء عبد اللّه بن سبأ ، كما يزعم هؤلاء الأساتذة الذين لا خبرة لهم بالتاريخ ولا معرفة بأحوال الرجال . ونحن إذ نستعرض مثل هذه الآراء ، لا نريد من ورائها إلّا إعطاء صورة عن الشذوذ الفكري ، والخروج عن قواعد الاستنتاج . كيف يصح القول بأن أبا ذر قد اعتنق رأي ( مزدك ) ؟ ؟ وهو خريج مدرسة
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 387
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٨٧
هامش
( 1 ) أبو ذر هو جندب بن جنادة الغفاري ، المتوفى سنة 31 ه أمه أم رملة بنت الوقيعة الغفارية ، وهو رابع أربعة سبقوا إلى الإسلام ، وكان من المتألهين في الجاهلية الذين عبدوا اللّه وتركوا الأصنام ، ولما أسلم أجهر في إسلامه في البيت الحرام بمكة ، فضربه رجال من قريش حتى ضرجوه بدمه ، وأغمي عليه فتركوه ظنا منهم أنّه مات ، وقد ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أحاديث كثيرة في مدحه ، ورحل إلى الشام في خلافة عثمان ، فأنكر على معاوية سيرته وسوء عمله ، وأعلن بالإنكار عليه ، فشكاه معاوية إلى الخليفة ، وأخرجه من الشام ونفاه إلى الربذة حيث توفي بها وحده ، فكان كما قال فيه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « رحم اللّه أبا ذر يعيش وحده ويموت وحده ويبعث وحده » .
ولما انتقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى جوار ربه كان أبو ذر غائبا فعاد وقد ولي أبو بكر ، فقال : أصبتم قناعة وتركتم قرابة ، لو جعلتم هذا الأمر في أهل بيت نبيكم ما اختلف عليكم اثنان .
( 2 ) الاستيعاب بهامش الإصابة ج 1 ص 216 . والإصابة ج 1 ص 64 .