والحاصل أن وضع أسطورة ابن سبأ هي لغرض الحط من كرامة المنكرين على عثمان ، ولكن المنصفين من الباحثين لم يستطيعوا السكوت عن هذه الخرافة البالية ، والأسطورة المضحكة ، والفرية الباطلة ، فصرحوا بما هو الحق ، وأظهروا للناس بطلانها ، وناقشوا نقاط الضعف التي تحوط بها ، فنحن نشكر للمنصفين انتباههم ، كما أننا نأسف لأولئك المخدوعين لانزلاقهم في هوة التعصب ، وانقيادهم للهوى واستجابتهم لداعية التفرقة ، فنحن نمر بلغوهم مر الكرام ، ولنسدل الستار عن فضائح جناياتهم على الحقيقة ، ونكل أمرهم لذوي العقول الراجحة ، والأفكار الثاقبة الذين يقيسون الأمور بمقياس العلم ، وتقترن أقوالهم بالواقع ، ولا يقيمون للخرافات وزنا ولا يجعلون للتقليد الأعمى قيمة ، على غرار ما يفعل الشيعة وهم يتلقون هذه التهم وكأنهم لا تعنيهم لأنها معروفة المنشأ ومكشوفة الغرض ، وإنما تناقش من باب الغيرة على العلم الذي راح البعض ممن لا علاقة له به إلّا بالألقاب والمراكز يستسلمون هذا الاستسلام الشنيع ، وقد أشرنا في كل مرة إلى أقوال ممن هم من بني جلدتنا ، أو تجمعنا وإياهم روابط العقيدة - إن شاءوا - ولم نقم وزنا للأصل الذي اعتمده أحمد أمين وغيره مما تجنّى به المستشرقون على تاريخ الإسلام وأهل الإيمان والولاء للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعترته الطاهرة .
إن الشيعة يقصدون للغلاة ، ويقوم أئمتهم بحملة مضادة لوأد حركتهم والقضاء عليها ، وقد أقض مضجعهم نشاط هؤلاء ولم يستقرّوا حتى هدم وجودهم ، ولكن غيرهم يستمد معلوماته من كتّاب لا تجمعهم بالإسلام جامعة ولا تربطهم رابطة ، ويتقبلون ما يفعله هؤلاء المستشرقون بوقائع التاريخ وتدخّلهم في أحداث الأمة الإسلامية .
فإذا أخذنا الألماني يوليوس فلهوزن في كتابه : ( الخوارج والشيعة ) ، لرأيناه كيف يستنتج ويربط الأحداث وفق غرض ظاهر لا يخفى على ذي نظر ، فهو يسمح لنفسه أن يرجح ما بين الأكاذيب والافتراءات ، وأن مذهب الشيعة يرجع إلى اليهود أقرب من أن يرجع إلى الفرس ، ولو كان لي غير البيان بأبلغ من هذا لعبّرت عن الاستخفاف والاستهزاء العميقين لمثل هذه الأقوال ، وليتها صدرت من مسلم . ثم يؤخذ قول فلهوزن مصدرا - وما أبعده عن الحقيقة . وسنأتي في الجزء الخامس على مناقشة آراء المستشرقين . ولقد بحثنا فيما مضى موقف أئمة الشيعة من الغلاة بما لا مزيد عليه من
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 390
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٩٠