تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
الإسلام ، وبطل من أبطال الثورة على الظلم ، ومن أباة الضيم ، إنه يكشف عن منزلة الإمام في نفسه ، واعتقاده فيه ، وهو معاصره ، وأكبر منه سنا ، وكذلك يكشف للناس ويبين لهم منزلة الإمام الصّادق ، فهو يرى أنّه حجة اللّه في ذلك الزمان ، وأن الهداية في اتباعه والضلال في خلافه ، وأن اللّه لا يحتج إلّا بمن بلغ درجة الكمال النفساني ، وارتقى أعلى منزلة من طاعة اللّه وامتثال أوامره ، فابتعد عن الدنيا وزينتها ، وصدف عن زخارفها ، وأخلص للّه فاستخلصه وطهره من دنس العيوب وكدر الذنوب .

انطباعات مالك بن أنس :

ويقول مالك بن أنس : اختلفت إلى جعفر بن محمّد زمانا فما كنت أراه إلّا على إحدى ثلاث خصال : إما مصليا وإما صائما وإما يقرأ القرآن ، وما رأيته قط يحدّث عن رسول اللّه إلّا على طهارة ، ولا يتكلّم بما لا يعنيه ، وكان من العلماء العبّاد والزهّاد الذين يخشون اللّه « 1 » . هذه شهادة مالك وانطباعاته عن شخصية الإمام ، ومالك هو رئيس مذهب من مذاهب الإسلام المعمول بها حتى الآن ، وكان معاصرا للإمام الصّادق ومن تلامذته . والذي يعنينا من هذه الكلمة قوله : إنه كان من العلماء العباد والزهّاد ، الذين يخشون اللّه . فالعلم وحده غير نافع بدون عمل ، فالإمام الصّادق عالم عامل زاهد في الدنيا يخشى اللّه ويتبع أوامره ، وإنما يخشى اللّه من عباده العلماء ، ولم يمنعه زهده وتبتله عن الكسب وطلب المعاش من وجوه المشروعة مع الإجمال في الطلب والاعتدال في الإنفاق وأداء الحقوق ، كما أنه ينهى عن الكسل والبطالة ، ويمقت صاحبها ويفضل رجل العمل ويشجعه عليه . كما دلّت سيرته على ذلك . فالإمام مالك يكشف لنا انطباعاته عن الإمام الصادق ، وما عرفه عنه وما اعتقده فيه ، بأنّه لا ينفك عن عبادة اللّه وتلاوة كتابه ، ولا يتكلم بما لا يعنيه ، وكان من العلماء العبّاد والزهّاد الذين يخشون اللّه ، وناهيك بما وراء الخشية من اللّه والعمل بطاعته ، فهي أعظم درجة وأرقى منزلة لدعاة الخير وأئمة الهدى ، وهو فرع من الشجرة النبوية التي طاب غرسها وزكى ثمرها ، قد التقى فيه شرف النسب وشرف النفس ، وعزة

هامش
( 1 ) مالك بن أنس ، للخولي ص 94 . وكتاب مالك لمحمّد أبو زهرة ص 28 نقلا عن المدارك للقاضي عياض ص 212 .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 318 | اسد حيدر