وهنا نورد بعض الأقوال المجموعة من رجال عصره ، وهي تبيّن انطباعاتهم عنه ، لا على سبيل الحصر ، لأن حصر الأقوال وجمع الانطباعات مما يضيق به وسع الكتاب . وقد تقدم في ثنايا الأجزاء المتقدمة شيء منها أيضا .
والغرض أنه كان وحيد زمانه ، لا يلحق أثره ولا يبلغ شأوه ، وهو المصلح الذي عرف الناس عنه حبه للإصلاح وبذله النصح لعباد اللّه ، لذلك قصده رجال العلم في عصره من الأقطار النائية ، للانتفاع بوفير علمه ومواعظه وحكمه ، وقد كان أبو حنيفة يغتنم الحضور عنده للاستماع منه عندما دخل الإمام الكوفة كما نصّت على ذلك كتب مناقب أبي حنيفة وسيرته . وكذلك حضر عنده في المدينة سنتين حتى اشتهر عنه قوله :
لولا السنتان لهلك النعمان .
انطباعات مالك بن أنس :
وكان مالك بن أنس يحضر عند الإمام الصّادق ويتأدب بآدابه ويهتدي بهديه ، فكانت له انطباعات في نفسه يحدّثنا عنها بقوله : ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمّد الصّادق علما وعبادة وورعا .
انطباعات سفيان الثوري :
قال سفيان الثوري : دخلت على الصّادق فقلت له : أوصني بوصية أحفظها من بعدك . قال : « وتحفظ يا سفيان ؟ » قلت : أجل يا ابن رسول اللّه . قال : « يا سفيان لا مروة لكذوب ، ولا راحة لحسود ، ولا أخا لملول ، ولا سؤدد لسيّئ الخلق » ، ثم أمسك . فقلت : يا ابن رسول اللّه زدني . فقال : « يا سفيان ثق باللّه تكن عارفا مؤمنا ، وارض بما قسمه لك تكن غنيا ، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما ، وصاحب بمثل ما يصاحبونك به تزدد إيمانا ، ولا تصاحب الفاجر فيعلمك من فجوره ، وشاور في أمرك الذين يخشون اللّه » . قال سفيان : ثم أمسك الإمام فقلت : يا ابن رسول اللّه زدني .
فقال : « يا سفيان من أراد عزا بلا عشيرة ، وغنى بلا مال ، وهيبة بلا سلطان ، فلينتقل من ذل معاصي اللّه إلى عزّ طاعته » . ثم أمسك . فقلت : يا ابن رسول اللّه زدني .
فقال : « يا سفيان أدّبني أبي بثلاث ، ونهاني عن ثلاث ، فأما اللواتي أدّبني بهن فإنّه قال لي : يا بني من يصحب صاحب السوء لا يسلم ، ومن لا يملك لسانه يندم ، ومن يدخل مداخل السوء يتهم » . قلت : يا ابن رسول اللّه فما الثلاث اللواتي نهاك عنهن ؟