انطباعات أبي حنيفة :
وقد كشف لنا أبو حنيفة قبله انطباعاته عن الإمام الصّادق ، وما عرفه عنه ، وأنّه ما رأى أفقه منه بقوله : ما رأيت أفقه من جعفر بن محمّد ، لما أقدمه المنصور بعث إليّ فقال : يا أبا حنيفة إن الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمّد فهيّئ له من المسائل الشداد . فهيأت له أربعين مسألة ، ثم بعث إليّ أبو جعفر المنصور وهو بالحيرة ، فدخلت عليه وجعفر بن محمّد جالس عن يمينه ، فلما بصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور ، فسلمت وأومأ فجلست ، ثم التفت إليه قائلا : يا أبا عبد اللّه هذا أبو حنيفة . فقال عليه السّلام : « نعم أعرفه » . ثم التفت المنصور فقال : يا أبا حنيفة الق على أبي عبد اللّه مسائلك . فجعلت ألقي عليه ، فيجيبني فيقول : « أنتم تقولون كذا ، وهم يقولون كذا ، ونحن نقول كذا » فربما تابعنا وربما تابعهم وربما خالفنا ، حتى أتيت على الأربعين مسألة ، ما أخل منها مسألة واحدة ، ثم قال أبو حنيفة : أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس « 1 » . وهذه القضية تبيّن لنا انطباعات أبي حنيفة عن الإمام الصّادق ، وما عرفه عنه ، وأنّه ما رأى أفقه منه ، وهو أعلم الناس لعلمه باختلاف الناس ، ونحن نستظهر من هذه القضية ثلاثة أمور : 1 - اهتمام المنصور بشأن الإمام الصّادق ، لأن الناس افتتنوا به على حد تعبيره ، عندما اشتهر ذكره ، حتى سارت به الركبان ، والمنصور يعدّ هذا خطرا على دولته ، لأنه لا يريد أن يلتف الناس حول الإمام الصّادق ، فذلك يثير مخاوفه منه ويجعله حذرا ، ولا يروق له تعلّقهم بالإمام الصّادق ، وانتشار علمه الذي بلغ كل بقعة أنارها الإسلام ، كما تنبئ عنه معاملته معه وتشدّده عليه ، وترقبه فرصة الفتك به والقضاء عليه .