وجعل المسلمين فرقا وأحزابا ، يشتم بعضهم بعضا ، وقد تحكم التعصّب الطائفي فألقى على العيون غشاوة التمويه والخداع . وبهذا فقد توالت الحوادث وتعددت الفتن . حتى أدّى ذلك التعصّب أن يجهل بعض الخطباء واجبهم الملقى على عواتقهم : من الدعوة إلى الإصلاح ، والألفة والمحبة ، واجتثاث جذور العداء والتشاحن . عندما سلكوا طريق الفرقة ونشر الشغب وبث روح العداء . بقيامهم على المنابر يلعنون من خالفهم في مذهبهم ، مما أثّر في نفوس العامة تأثيرا دفعهم إلى النهب والتخريب ، وحرق المساجد والأسواق ، كما حدث في كثير من البلدان الإسلامية في سنة 554 ه وغيرها ومما عظمت به المصيبة وعرّض المجتمع إلى خطر ماحق ، لأن صفة الخطباء محلها العلماء والأخيار الذين ينظر إليهم المجتمع باحترام وتجلّه ، وعليهم أن يرعوا رسالتهم الدينية لا أن ينحرفوا هذا الانحراف ، وقد أشرنا لذلك بإلمامة موجزة في أبحاثنا السابقة .
إن هذه الأمور المؤلمة هي التي فتحت باب التدخل لأعداء الإسلام في صفوف الأمة ليحاولوا القضاء عليه والوقيعة بأهله . وبمزيد الأسف أننا نتوارث ذلك الخلاف الذي أوجد الانقسام بيننا ، والفرقة في صفوفنا ، فأفقدنا تلك القوة وسلبنا ذلك السلطان الذي انتشر في أرجاء المعمورة ، عندما خفق علم التوحيد فحطّم هياكل الشرك ومعابد الوثنية ، ونشر العدل على وجه البسيطة ، وانبثق نور المحمدية يبدد سحب الظلام . وينير للإنسانية طريقها . فأشرق وسط حلك الدياجير المظلمة يزيح حواجز الطريق التي تعترض سير قافلة الإنسانية الصاعد ، راميا إيصالها إلى ربوع الخير وشاطئ النجاة ، ليفرح المسلمون بذلك النعيم ، فترفرف السعادة بدنياهم ويعم الرفاه في أرضهم . والمسلمون وسط هذا الرخاء صفا متماسكا .
فهل ندرك أثر ذلك الاختلاف ؟ وهل يمكننا أن نعمل لإزالة ما خلّفه من أثر سيئ في المجتمع الإسلامي ؟ فلنطو صفحات ذلك التأريخ الأسود ، ونتمسّك بتعاليم ديننا ، ونسير على منهاجه ، تاركين وراءنا خرافات سلف مخدوع وجيل طائش وترسبات طائفية قذرة .
ولا بد أن تعلو كلمة اللّه ويظهر دين الإسلام على الدين كله ولو كره المشركون . بهذا وعدنا اللّه ، وإن اللّه لا يخلف الميعاد .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 263
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٦٣