الزهري ، وربيعة الرأي وغيرهم من شيوخ مالك الذين هم أعلم منه وأرقى درجة في الفقه ، ولو سمحت الظروف القاسية للحقيقة الصامتة أن تنطق بالحق وتفوه بالواقع لما تخطت الإمام جعفر بن محمّد الصّادق عليه السّلام الذي هو أستاذ مالك ومن شهد له مالك نفسه : بأن عينه ما رأت أعلم ولا أتقى من جعفر بن محمّد الصّادق . وأما الشّافعية فدليلهم في النقل هو دعوى انطباق حديث عالم قريش : يملأ الأرض علما . على الشّافعي وما ذلك إلّا تخمينات مبهمة وفرضيات عقيمة ، وقد تعرضنا له في الجزء الثالث في حديثنا عن الشّافعي . أما الحنابلة فقد أهملوا طريق النقل وتمسكوا بالاعتبار ، فلم يدّعوا وجود حديث في إمامهم يبشّر به ويفيض على شخصيته قدسية تؤهله لأن يتفرد بالعلم ولزوم الاتباع ، ولكنهم اعتمدوا على مبشرات الأحلام ، فجعلوها محل اعتماد ومن المرجحات للمذهب ، وأنها بمنزلة اليقظة فيقولون : إن ما قاله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في نوم أو يقظة فهو حق ، وقد ندب صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى الاقتداء به - أي بأحمد - فلزمنا جميعا امتثاله « 1 » . يشيرون بذلك إلى منامات يدّعى فيها أن سائلا سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في النوم : من تركت لنا في عصرنا هذا من أمتك نقتدي به يا رسول اللّه ؟ فقال : عليك بأحمد بن حنبل . وبهذا استوت كفتا الميزان في طريق النقل كاستوائهما بين جميع المذاهب في طريق النقل والاعتبار . فإنّهم جميعا قد عقدوا فصولا مطولة في الأحلام لإثبات فضائل أئمتهم ، وجعلوها مصدرا من مصادر تاريخ حياتهم ، وميزانا من موازين عظمة شخصيتهم وطريقا لإثبات مفاخرهم . كما أننا نلمح في مناقب الكثير منهم اشتراكا في المفاخر التي أثبتوها ، وأن طابعها واحد لا يتغيّر وإن تغيّر الزمن ، وقد تجنّبنا الخوض في ذلك وذكر الكلام حولها ، إلّا ما يتعلّق به غرض من أطراف البحث . وكثرت المنامات في فضل أحمد حتى كان لها الأثر في الأدب الحنبلي ، فنظم الشعراء ذلك ، يقول أبو الخطاب المتوفى سنة 476 ه :
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 261
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٦١
وعن مذهبي إن تسألوا فابن حنبل * به أقتدي ما دمت حيا أمتع
وذاك لأني في المنام رأيته * يروح ويغدو في الجنان ويرتع
« 2 »
هامش
( 1 ) ذيل طبقات الحنابلة ج 1 ص 137 .
( 2 ) طبقات الحنابلة ج 1 ص 407 .