وما أكثر الشواهد التي احتفظ بها التاريخ من تلك الأساليب التي استعملها حكام تلك العصور . لتوجيه الناس في طريق رغباتهم ، وإثارة الشعور ضد أهل البيت عليهم السّلام ونصب العداء لهم . ولم يكن من الصعب على قوة الحكم وشدة الدعاية ، أن تزرع بذور العداء وتنشر الكراهة لأهل البيت ، ووصف أتباعهم بما يخالف الحقيقة والواقع . فليس من الغريب إذا تجنى ذوو الأطماع والسائرين في ركاب الدولة أن يوصف مذهب أهل البيت بالبدعة . وليس من الغريب أن يجعل التشيع عنوان الزندقة والشذوذ عن الدين ، لأن الحقد لهم قام في نفوس الكثيرين وانتشر بطريقة لا شعورية ، وقد صوّروا التشيع بصورة لا تقع العين منه إلّا على منظر يثير الحقد والكراهة ، عندما شوهته الدعاية الكاذبة ، وأسدلت على محاسن هذا المبدأ أبرادا من نسيج الخيال ، وفسّروا تاريخ الشيعة بتفسير خاطىء لا يتصل بالحقيقة . إنهم فسّروا حب الشيعة لأهل البيت اعتقادا بالتأليه ، وأقاموا على ذلك شواهد من الأساطير المضحكة ، كأسطورة ابن سبأ « 1 » ، وأضافوا إليها قضايا المتداخلين في صفوف المسلمين من أعداء الدين ، ليثيروا بينهم العداء ، ولم يهتموا بالخطر الذي ينجم من وراء ذلك . لأن حكام ذلك العصر لا يهمهم شيء سوى نشر سلطانهم بكل وسيلة . كما إنهم فسّروا اعتماد الشيعة على أحاديث أهل البيت وأخذ الأحكام عنهم : بأن الشيعة تدّعي نزول الوحي عليهم . وأقاموا شواهد وادعاءات باطلة ، إلى غير ذلك من الأمور التي أخذها الكتّاب المعاندون ، أو المقلّدون الذين يسيرون في طريق وعر يتعثّرون بالأوهام ، فكتبوا بما شاءت الدعاية ، لا بما شاء الحق والواقع .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 265
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٦٥
هامش
( 1 ) لقد ظهرت مسرحية عبد اللّه بن سبأ على مسرح الأوهام ؛ لينظر إليها ضعفاء النفوس كأنها حقيقة لا تقبل النقاش ، وما هي إلّا من مهازل التاريخ ، وعجائب الزمن ، وخرافة يكذبها الوجدان ، ويندى منها جبين الإنسانية .
إنها أسطورة مضحكة رتبتها أقلام مأجورة ، وأخرجها إلى الوجود أبطال فتنة ودعاة شغب ، ولقد تصدى الأستاذ الكبير السيد مرتضى العسكري لكشف حقيقة عبد اللّه بن سبأ ، فألّف كتابا قيما صدر إلى الوجود منه جزء واحد ، وهو يواصل نشر ما تبقى من بحثه القيّم .