ولا يقال للأصل لم وكيف . وإنما يقال للفرع لم ، فإذا صح قياسه صح وقامت به الحجة . فهو بهذه الخطة الجديدة قد هاجم مالكا ، لتركه الأحاديث الصحيحة لقول واحد من الصحابة أو التابعين أو لرأي نفسه . وهاجم أبا حنيفة وأصحابه ، لأنهم يشترطون في الحديث أن يكون مشهورا ، ويقدمون القياس على خبر الآحاد وإن صح سنده ، وأنكر عليهم تركهم لبعض السنن لأنّها غير مشهورة ، وعملهم بأحاديث لم تصح عند علماء الحديث ، بدعوى أنّها مشهورة ، ووقف في القياس موقفا وسطا ، فلم يتشدد فيه تشدد مالك ، ولم يتوسع فيه توسع أبي حنيفة « 1 » . وقال إمام الحرمين : فمالك أفرط في مراعاة المصالح المطلقة المرسلة ، غير المستندة إلى شواهد الشرع ، وأبو حنيفة قصر نظره على الجزئيات والفروع والتفاصيل من غير مراعاة القواعد والأصول ، والشافعي ( رض ) جمع بين القواعد والفروع ، فكان مذهبه أقصد المذاهب ، ومطلبه أسدى المطالب كما يقول إمام الحرمين . هذا عرض موجز لما يتعلّق بحياة الشّافعي وأخباره من حيث اتجاهه الفقهي ، ومخالفته لأهل الرأي وأهل الحديث . وتدلنا الحوادث بوضوح أنه لقي أذى كثيرا في إظهار مخالفته لمالك ورده عليه ، كما أنه لم يلق في مصر ذلك الإقبال المطلوب الذي كان يأمله رجل مثله ، فقد جفاه الناس ، ولم يجلس إليه أحد ، فقال له بعض من قدم معه : لو قلت شيئا يجتمع إليك الناس ، فقال : إليك عني وأنشأ :
« 2 » . ! وكان يظهر التذمر والتألّم ، ويدلّنا على ذلك قوله :