إن هذه الرواية تدل على أن سبب موت الشّافعي هو ذلك الضرب المنبعث عن التعصب ، وقد نص ابن حجر على أنّهم ضربوه بمفتاح حديد فمات « 1 » بعد ذلك الضرب بقليل ، كما جاء في رثاء الشّافعي : قال ابن حجر عند ذكره لهذا الحادث : وقد ضمن ذلك شيخ شيوخنا أبو حيان في قصيدته التي مدح بها الشّافعي ، ثم ذكر القصيدة . ونذكر منها محل الشاهد :
ولما أتى مصر انبرى لأذائه * أناس طووا كشحا على بغضه طيا
أتى ناقدا ما حصلوه وهادما * لما أصّلوا إذ كان بنيانهم وهيا
فدسّوا عليه عندما انفردوا به * شقيا لهم شل الإله له اليديا
فشج بمفتاح الحديد جبينه * فراح قتيلا لا بواك ولا نعيا
نعم قد نعاه الدين والعلم والحجا * وترداد صوت في الدجا يسرد الوحيا
« 2 » فالشّافعي إذا ذهب ضحية التعصب من المالكية ، لأنه كان يعارض أقوال مالك ويرد عليه ، وقد وضع كتابا في ذلك ، كما وضع كتابا في الرد على أبي حنيفة « 3 » .
مذهبه الجديد :
وكيف كان فقد جاء الشّافعي بمذهبه الجديد ، وكان قد درس المذهبين : مذهب أهل الرأي ومذهب أهل الحديث ، وقد لاحظ ما فيهما من نقص ، فبدا له أن يكمل ذلك النقص ، وأخذ ينقض بعض التعريفات من ناحية خروجها من متابعة نظام متحد في طريقة الاستنباط ، وذلك يشعر باتجاهه في الفقه اتجاها جديدا ، الذي لا يكاد يعني بالجزئيات والفروع .
ولعل خير ما يلخص مسلكه في منحاه الاجتهادي هو أنّه قال : الأصل قرآن وسنّة ، فإن لم يكن فقياس عليهما ، وإذا اتصل الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وصح الإسناد عنه فهو سنّة ، والإجماع أكبر من الخبر المفرد ، والحديث على ظاهره ، وما احتمل معاني فما اشتبه منها ظاهر أولاها به ، وإذا تكافأت الأحاديث فأصحّها إسنادا أولاها ، وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع ابن المسيب ، ولا يقاس أصل على أصل ،
هامش
( 1 ) توالي التأسيس ص 86 .
( 2 ) توالي التأسيس ص 87 .
( 3 ) أنكر بعضهم على الخزرجي قوله في الخلاصة ص 279 - : أن الشّافعي مات شهيدا سنة 204 ه .
لعدم وقوفه على المصادر التي تنص على ذلك .