تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩

حمله رجل خراساني وهو ينادي بالبشارة ، حتى ألقى الرأس بين يديه ، وهو مضروب على الجبهة والقفى ، فجمعت رؤوس القتلى فكانت مائة ونيفا « 1 » وأفلت إدريس بن عبد اللّه ، فأتى مصر وعلى بريدها أفلح مولى صالح بن منصور ، فحمله إلى المغرب فبايعه الناس وأسّس هناك دولة « 2 » . حدث أبو القرناء قال : أرسلني موسى بن عيسى ( قائد الجيش ) فقال : اذهب إلى عسكر الحسين حتى تراه وتخبرني بكل ما رأيت . فذهبت فدرت ، فما رأيت خللا ولا فللا ، ولا رأيت إلّا مصليا أو مبتهلا أو ناظرا في مصحف أو معدا لسلاح ، قال فجئت فقلت : ما أظن القوم إلّا منصورين . فقال : وكيف ؟ قال : فأخبرته . فضرب يدا على يد ، وبكى حتى ظننت أنه سينصرف ، ثم قال : هم واللّه أكرم خلق اللّه وأحق بما في أيدينا منا . كان هذا الحادث من أهم الحوادث التي شغلت بال الدولة ، وأقضّت مضاجع ذوي الأمر ، لأنها كانت في أهم مركز إسلامي وهو الحجاز . لذلك أسرع الهادي في مقاومة تلك الحركة خوفا من اتساعها في البلاد الإسلامية . وتتابعت ثورات العلويين غضبا للحق ، ومن أهمها - أيضا - ثورة يحيى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب في الديلم ، وقد قويت شوكته ، فاحتال الرشيد عليه بإعطائه الأمان ، ونقضه بعد ذلك ، فسجنه وضيق عليه إلى أن مات في السجن ، ووجد جسده معلقا قد سمّرت يداه . ومضى العباسيون في سفك دماء العلويين ، وشرّدوهم في البلاد بدون رحمة ولا وازع ديني . وعلى أي حال فقد كان مجتمع ذلك العصر يموج بعناصر مختلفة ، وكانت بغداد هي موطن الحكم وعاصمة المملكة ، وحاضرة العالم الإسلامي ، وقد قصدها كثير من علماء اليونان والفرس والهنود ، ونقلت كتب الفلسفة إلى العربية . وظهر علم الكلام ونضج ، فكثرت حلقات الجدل والخصومات ، وظهرت آراء شاذة ، وعقائد فاسدة أثرت على عقول من لا تقوى نفوسهم على هضمها واحتمالها ، فكونت هناك فوضى فكرية واضطرابا وحيرة . ونشطت هنالك حركة المتداخلين في الإسلام ، لبث

هامش
( 1 ) تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 457 .
( 2 ) نفس المصدر .