وتكلم معه ، فقال له المهدي في جملة كلامه : يا ابن الزانية ! فقال شريك : مه مه يا أمير المؤمنين ، فلقد كانت صوّامة قوّامة . فقال له المهدي : يا زنديق لأقتلنك . فضحك شريك وقال : يا أمير المؤمنين ، إن للزنادقة علامات يعرفون بها : شربهم القهوات واتخاذهم القينات . فأطرق المهدي « 1 » . فنرى أن المهدي كان يطلق كلمة زنديق على من لم يعترف بخلافته أو عدالته ، وما أكثر الذين يذهبون لذلك من رجال الأمة وعلمائها ، كما أن شريكا القاضي أطلق لفظ الزندقة على من كان يحيى حياة المجون ، وإن من أوضح الأمور انطباق ذلك على المهدي نفسه ، فهو الشخص الوحيد الذي يمثّل دور المجون والاستهتار ، فأطلق عليه شريك لفظ الزندقة بالتلميح . وكذلك أطلق لفظ الزندقة على من يناقض أحاديث الصحابة أو يردّها لعدم صحتها « 2 » وكذلك أطلق لفظ الزندقة على المفكّرين الذين يقفون أمام الحوادث التاريخية موقف تثبّت ، لاستجلاء الواقع ومعرفة الحقيقة . فالأمر الذي يتعلّق بالبحث حول بعض الصحابة وما صدر منهم قد أصبح محظورا ، فلا يمكن إلّا التسليم بصحة ما صدر منهم - وإن خالف الشرع - لأن البحث عن ذلك أمر يستوجب الاتهام بالزندقة ، وليس وراء ذلك إلّا السيف . حتى أصبح ذلك من القواعد المقرّرة المعمول بها طبقا لإرادة الدولة ، وتلك القاعدة هي : إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فاعلم أنّه زنديق « 3 » . يقول الدكتور أحمد أمين : ( إن الاضطهاد والرّمي بالزندقة عنوان الشخصية . فالرجل إن كان ضعيف الهمّة ، فائل الرأي ، أو ذا رأي ولكنه ملق ، يكلم كل إنسان بما يحب فلم يضطهد ؛ وإذا كان يسير في العلم حسب رأي الأغلبية ، ويرى من النظريات والقواعد والتعاليم ما يراه الناس في عصره فلم يضطهد . إنما يضطهد القوي في الرأي ، لا يتنزل عنه لسلطان أو أمير ، المستقل الفكر ، يؤديه فكره إلى نتائج قد يخالف
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 221
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٢١
هامش
( 1 ) ابن كثير ج 10 ص 153 .
( 2 ) تاريخ بغداد ج 14 ص 7 .
( 3 ) الكفاية للخطيب البغدادي ص 49 .