وكان شغف نسائهم بالتفنن في ألوان الزينة يبعث على العجب والاستغراب ، كما وأنهن اتخذن من الأملاك ما كانت وارداته أكثر من ألف ألف وستمائة ألف دينار . إلى جانب ذلك اتخاذهم مجالس الشرب والغناء ، وإغداقهم في العطاء على المغنين ، حتى أن بعض المغنين الذي كان يغني لسيدة ، أورث ابنا له أربعين ألف دينارا . وقد جعل الرشيد للمغنين مراتب وطبقات . وكان الأمين لا ينقطع عن الشراب . ووجه إلى جميع البلدان في طلب المغنين ، وأجرى لهم الأرزاق . وغناه أحد المغنين فأعطاه أربعين ألف دينار . كما وقد زاد نشاط الجواري لشغف الخلفاء بهن ، فكان لهن نفوذ في المملكة وسلطة على الأمر . وكانت لهارون الرشيد جارية تسمى ( هيلانة ) لها منزلة عنده . فلما ماتت رثاها بأبيات من الشعر ، كما رثاها الشعراء تبعا لرغبته فأجاز بعضهم أربعين ألف دينار « 1 » . هذا في الوقت الذي نجد رجال الأمة وصلحاءها والأحرار من أبنائها يتجرعون غصص الحاجة ، وكان نصيب أكثرهم الخوف والتشريد ، وظلمة السجون والتعذيب والقتل . كما نجد ألوان العذاب تصب على رؤوس أهل الخراج من قبل عمال الدولة ، ويعاملونهم أسوأ معاملة وأقساها . ولا يسعنا المضي في الموضوع بأكثر من هذا . والغرض الذي سقنا لأجله هذه الأمور ، هو إعطاء صورة عن بذخ ذلك العصر ، والإسراف الذي بلغ إلى أبعد حد ولم يقتصر ذلك على عصر الرشيد ، بل اندفع أحفاده وأولاده إلى التبذير بصورة ربما تكون أوسع وأكبر . فإنا نجد الأمين قد أسرف إلى أبعد حد . وكان المعتصم « 2 » لا يقل درجة عنه . فقد ترك ثروة طائلة كان منها ثمانية آلاف ألف دينارا من الذهب ، وثمانية عشر ألف ألف درهما ، ومن الخيل ثمانين ألف فرسا ، ومن الجمال والبغال مثل ذلك ، ومن
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 215
مساهمون: اسد حيدر
ص٢١٥
هامش
( 1 ) تاريخ ابن كثير ج 10 ص 165 .
( 2 ) هو أبو إسحاق محمّد بن المعتصم بن هارون الرشيد ، ثامن خلفائهم ، وكان أميا لا يحسن القراءة ، أكثر من استخدام الترك ، وكان له من المماليك منهم عشرون ألفا ، توفي في ربيع الأول سنة 227 ه .