المجوهرات والحلل ، وقد سلكت في صرف الأموال طريقة الرشيد ، فكانت تستهين بالأموال ، ولا تحسب لها أي حساب . خرج الرشيد منها يوما يضحك ، فسئل عن ذلك فقال : دخلت اليوم على هذه المرأة ( يعني زبيدة ) فأقلت عندها فما استيقظت إلّا على صوت ذهب يصب ، وقالوا هذه ثلاثمائة ألف دينار قدمت من مصر ، فقالت : زبيدة هبها لي يا ابن عم . فقلت : هي لك ، فما خرجت من عندها حتى عربدت عليّ وقالت : أي خير رأيته منك « 1 » . وأهدت لأبي يوسف القاضي لأجل فتوى أفتاها توافق مرادها فكان فيها : حق فضة فيه حقان ، في كل حق لون من الطيب ، وجام ذهب فيه دراهم ، وجام فضة فيه دنانير ، وغلمان وتخوت من ثياب وحمار وبغل « 2 » . واشترى الرشيد من مسلم بن عبد اللّه العراقي درة بسبعين ألف دينار ، واشترى فص ياقوت أحمر بثمانين ألف دينار وكان وزنه مثقالا ونصفا ، وكانت بيده سبحة فيها مائة حبة كل حبة اشتريت بمائة ألف دينار . وهكذا كانت الأموال تنفق في البذخ والإسراف ، وتوزع بين طبقة خاصة من الناس ، ويتنعم بها أفراد قلائل . وقد استغل الولاة هذه الفرصة ، فجمعوا الأموال الطائلة ، وادخروا العروض وبنوا الأملاح ، وقد ترك سليمان بن جعفر العباسي ستين ألف ألف دينار ما عدا المتاع والدواب « 3 » وهكذا غيره من الولاة والأمراء ومن سار في ركاب الدولة من سائر الناس . على حين أن هناك آلافا من المسلمين قد تلاطمت بهم أمواج العسرة ، ولعبت بهم عوامل الفقر المدقع ، لأن ثروة الأمة وأموال المسلمين أصبحت تحت تصرف الطبقة الحاكمة من نساء ورجال ، يتصرّفون بها في لذاتهم بغير مانع ولا رادع ، وكانوا يتفننون في الملبس والمأكل ، فيجلبون لحوم الطيور ولو بعد مكانها ، فتأتيهم على البريد وينفقون على ذلك الأموال الطائلة ، ليتنعموا في المأكل « 4 » كما قد جلبت لهم الفواكه من أقصى البلدان . واتخذوا الأسرّة الذهبية المرصعة بالجوهر ، والحصر المنسوجة بالذهب المكلّلة بالدر والياقوت « 5 » .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 214
مساهمون: اسد حيدر
ص٢١٤
هامش
( 1 ) البداية والنهاية ج 10 ص 219 .
( 2 ) مروج الذهب ج 3 ص 260 .
( 3 ) تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 463 .
( 4 ) ثمار القلوب ج 1 ص 428 .
( 5 ) ابن خلدون ج 5 ص 106 .