على الفكر بالجمود ، ولكن من أين يستطيع الوصول إلى الواقع من كبّلته قيود التقليد ، وأثقلته أوزار التعصّب الممقوت ؟ ! ! أما الحديث الذي أشرنا إليه فهو : عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال : ( اللهم أهد قريشا ، فإن عالمها يملأ طباق الأرض علما ) .
ومع التسليم بصحة هذا الحديث ، فإن انطباقه على الشافعي بعيد جدا ، لوجود الكثير من علماء قريش ممن له أهلية الاتصاف بذلك ، ولكن أكثر علماء الحديث قد ذهبوا إلى وضع هذا الحديث ، وقد نص على ذلك ابن أبي الحوت في ( أسنى المطالب ) والأسفرائيني في سفر السعادة وغيرهما .
عصر الإمام الشّافعي وأحداثه :
يمتد عصر الشّافعي من آخر خلافة المنصور المتوفى سنة 158 ه إلى أول خلافة المأمون ، أي من سنة 150 ه إلى سنة 204 ه وعلى هذا فقد أدرك الشافعي ثماني سنين من خلافة المنصور ، وخلافة المهدي المتوفى سنة 165 ه وخلافة الهادي المتوفى سنة 170 ه وخلافة الرشيد المتوفى سنة 193 ه والأمين المقتول سنة 198 ه . وستة سنين من خلافة المأمون .
ونحن إذا أردنا أن نلحظ أدوار الدولة العباسية ، نجد هذه الفترة من أزهر العصور وأهمّها ، وإن كانت لا تخلو من حوادث هامّة ، تهدد كيان الدول وتنغص عيش أربابها ، ولكن تلك الحوادث كانت هينة بالنسبة لقوة الدولة ، عندما استقر أمرها وتمكن سلطانها ، وازدهرت حياتها في امتداد نفوذها ، واتساع دائرتها . فهي تمتد من الأندلس إلى الممالك التي تصاقب الصين شرقا .
وكانت المملكة الإسلامية واسعة الأطراف ، وقد أخذت المدن الإسلامية حضارتها في العلم ، والتجارة ، والصناعة ، ونشطت الحركة العلمية ، واقتبس العلماء من فلسفة اليونان .
كما نشطت حركة الترجمة ، وانتشر علم الكلام . وقد ساهم الخلفاء بتشجيع تلك الحركة . إلى آخر ما هنالك من عوامل امتياز ذلك العصر ، من مظاهر فكرية واجتماعية واقتصادية ، وفي ذلك العصر بلغت الدولة العباسية أوج عظمتها ، عندما استطاعت أن ترغم خصومها على عدم المعارضة ، بوسائل البطش والإرهاب ، واستعمال أنواع ألوان التعذيب ، وكانت لا تعف عن ارتكاب أشنع وسائل العنف ، تحقيقا لسيادتها .