تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠

أخذ هذا الحديث بعين الاعتبار ، ورتب عليه نتائج تلزم بوجوب اتباع الشّافعي . يقول بعضهم : في هذا الحديث ( أي حديث عالم قريش ) علامة بينة ، إذا تأمله الناظر المميز علم أن المراد به رجل من قريش ظهر علمه ، وانتشر في البلاد ، وكتب كما تكتب المصاحف ، ودرسه المشايخ والشبان في مجالسهم ، وأجروا أقاويله في مجالس الحكام والقراء ، وأهل الآثار وغيرهم . وهذه صفة لا نعلمها في أحد غير الشّافعي ، فهو عالم قريش الأفضل « 1 » . هكذا نظر هذا الإنسان لهذا الحديث ، فتلقفها من جاء بعده ، فإنهم ينقلون هذه العبارة بالنص ، وليس كل إنسان مصيبا في رأيه ، فالنظر يصيب ويخطئ . وبدون شك أن هذا كان متأثرا بالبيئة التي يعيش فيها والمجتمع الذي يندمج فيه . ولا أريد أن أتحدث عن جميع فقرات هذه الكلمة التي أصبحت كمنهج متبع ، ولكني أريد أن أتساءل : هل كانت قريش على درجة من الانحطاط والخمول والجهل ليكون الشّافعي حامل لواء نهضتها ، ولسانها الناطق ، وعالمها الأوحد ؟ وهل بلغ الشّافعي بعلمه تلك الدرجة التي لم ينالوها ، وعرف من غوامض العلوم ما لم يعرفوه ؟ وهل كان انتشار علمه عن نفسه لنفسه ، أو بمشجع من عوامل لو تهيأت لمن هو دونه لكان علمه منتشرا مقبولا ؟ أما الجواب عن هذه الأسئلة فيسير لا عناء في الحصول عليه ، لأن التاريخ طافح بتكذيب تلك الادعاءات الكاذبة . وحاشا قريشا - وهم أعلم الناس ومفخرة العرب - أن تمر عليها قرون لا تعرف بالعلم ، ولم ينشر لها شيء ، إلّا بعد أن بعث الشّافعي ، فبعثها من رقدتها ! ! ونحن إذا أردنا أن نتصدّى للرد ونتعرض للنقد نخرج عن موضوع البحث . وإن هذا الفهم الذي فهمه ذلك الإنسان وتابعه مقلّدوه . لم يكن فهم عقل وتفكير ، بل هو فهم تلقين من ناحية معيّنة ، والحقيقة شيء والعاطفة شيء آخر ، لأن العاطفة طاغية تسيطر على العقل فتطفئ شعلته ، وتطغى على الواقع فتضيعه ، وتحكم

هامش
( 1 ) تهذيب الأسماء واللغات ج 1 ص 52 .