تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
وكان يرى لزوم تعزير أهل الكلام ، وضربهم وإهانتهم ، وأن يطاف بهم في العشائر . واشتهر عنه أنّه كان يقول : إيّاكم والكلام . وكان يقول : ولئن يبتلي اللّه المرء بكل ما نهى عنه - ما عدا الشرك به - خير من أن ينظر في الكلام . وهذا التشديد من الشّافعي يدل على بغضه لعلم الكلام ، وعدم الرضا بتعلمه والنظر فيه . وهذا غريب جدا فإن العصر الذي نشأ فيه الشّافعي قد نضج فيه الكلام ، واتسع نشاط المتكلمين ، وأثاروا في المجتمع مسائل كثيرة ، وقد كثر النقاش والجدل ، وكان لا بد لكل عالم أن يلتمس الدلائل والبراهين الفلسفية ، لتقوية جانبه والرد على مخالفيه . وكان لا بد من الانهزام أمام ذلك التيار . إذا لم يكن هناك استعداد وقابلية للمقابلة والرد عند خوض تلك المعارك التي دارت رحاها في عصره . وقد علّل الرازي نهي الشّافعي عن علم الكلام وبغضه : بأن المعتزلة قد حرضوا الخلفاء على أذى العلماء ، وقد كانوا هم القوامين على هذا العلم ، وأن الفتن العظيمة وقعت في ذلك الزمان بسبب خوض الناس في مسألة خلق القرآن ، وأهل البدع استعانوا بالسلطان وقهروا أهل الحق ، ولم يلتفتوا إلى دلائل المحقين ، وتلك الحكايات والواقعات مشهورة ، فلما عرف الشّافعي أن البحث عن هذا العلم في ذلك الزمان ليس لطلب الحق ، وليس للّه وفي اللّه ، بل لأجل الدنيا والسلطنة ، فلا جرم أنه تركه وأعرض عنه وحرّم من اشتغل به . وفي الواقع أن التعليل بعيد عن الواقع ، لأن تلك الأمور التي أشار إليها كانت بعد موت الشّافعي ، وأن أكثر ما ذكره يحتاج إلى إثبات . وعلى أي حال : فهل كان الشّافعي مع نهيه عن علم الكلام على جهل به ؟ مع أنا نرى له ما يدل أنه يتعاطاه ويناظر فيه ! ! ! وبهذا نكتفي عن بيان آرائه ، وسنعود إن شاء اللّه تعالى .

تنبيه :

لم أتعرض لذكر حديث ( عالم قريش ) الذي استندت إليه الشافعية في البشارة بالشّافعي ، لأني كنت مطمئنا من عدم صحة الاستدلال به - إن قلنا بصحته - إذ لا مجال للمغالطة وتضييع الوقت في ذلك ، ولكني رأيت الكثير من علماء الشّافعية قد