تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨

قال صاحب المنار : وقد كان هذا الإمام الجليل متأخرا قليلا عن « الأئمة الثلاثة » وإن أدرك بعضهم وصحب أحدهم وكان قد رأى بوادر التزام تقليد الذين تكلموا في الأحكام وكتبوا فيها ، وعلم أن مالكا « رحمه اللّه » قد ندم قبل موته إذ نقلت أقواله وفتاويه قبل موته ، ولذلك لم يدون مذهبا ، واقتصر على كتابة الحديث ، ولكن أصحابه جمعوا من أقواله وأجوبته وأعماله ما كان مجموعه مذهبا ، كما قال العلامة ابن القيم « 1 » . وقال سلمة بن المسيب : سمعت أحمد بن حنبل يقول : رأي الأوزاعي ورأي مالك ، ورأي أبي حنيفة كله رأي ، وهو عندي سواء وإنما الحجة في الآثار « 2 » ! . يقول السيد صديق حسن ، بعد نقله لأقوال أئمة المذاهب في النهي عن تقليدهم : فإنّهم - رضي اللّه عنهم - قد نهوا عن الرأي والتقليد ، وصرح بعضهم بأن الاستحسان بدعة ، ولكن مقلديهم باللسان دون الجنان ، لم يرضوا بهذا النهي وقالوا نحن مقلدوكم شئتم أو أبيتم - وهم واللّه يعلم - أنهم كاذبون . ( الدين الخالص ج 4 ص 373 ) . والشيء الذي نود التنبيه عليه هنا أن أتباع أحمد قد تمسكوا بتقليده والأخذ بأقواله ، بل جعلها بعضهم كأقوال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهي بمثابات ما يروى عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من الآثار « 3 » . هذا ما أردنا ذكره في هذا العرض الموجز عن أئمة المذاهب ، ونحن لا نريد أن نحط من كرامة واحد منهم ، أو نتعصب عليه ، ولكني كما قلت سابقا : إن من الحق والإنصاف أن نعطي شخصية كل واحد من أئمة المذاهب حقها من الدراسة المتجردة عن التعصّب والتحيّز ، وأن لا ننقاد للعواطف ، ولننظر الواقع بعين تبصر الحقائق كما هي . وبدون شك أن ذلك التعصّب الطائفي قد أوجد مشاكل اجتماعية فرقت الكلمة وكدرت صفو الأخوة . وما أحوج المسلمين إلى الإلفة والاتحاد وهي دعوة رفع الأئمة بها أصواتهم وكان تعاليمهم تحث على الوحدة والاتفاق . فالتعصّب ينافي المبادئ

هامش
( 1 ) الوحدة الإسلامية ص 117 .
( 2 ) الإيقاظ للغلاف ص 28 .
( 3 ) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ج 2 ص 176 .