وقد أفصح التاريخ عن كثير من ذلك مما لا حاجة لذكره الآن . ومن المناسب أن نختم هذا الفصل بما ذكره الأستاذ السيد محمّد رشيد رضا ، في جواب الأسئلة التالية الموجهة إليه من باريس ، من صديقه أحمد زكي بك وهي :
1 - متى أقفل باب الاجتهاد ؟ وما ذا ترتب على هذا الإقفال من المنافع والمضار ؟
الجواب : زعموا أنه أقفل بعد القرن الخامس ، ولكن كثيرا من العلماء اجتهدوا بعد ذلك ، فلم يكونوا يعملون إلّا بما يقوم عندهم من الأدلة ، ولا يخلو زمن من هؤلاء ، كما صرح بذلك علماء الشافعية .
ولولا خوفهم من حكومات الجهل لبيّنوا للناس مفاسد التقليد الذي حرمه اللّه .
ودعوهم إلى العمل بالدليل كما أمر اللّه ، وقد علمت الحكومة العثمانية - منذ عهد قريب - بأن بعض علماء الشام يحملون تلاميذهم على ترك التقليد والعمل بالدليل ، فشددت عليهم النكير حتى سكتوا عن الجهر بذلك .
ولا نعرف في ترك الاجتهاد منفعة ما ، وأما مضاره فكثيرة وكلها ترجع إلى إهمال العقل وقطع طريق العلم ، والحرمان من استقلال الفكر . وقد أهمل المسلمون كل علم بترك الاجتهاد فصاروا إلى ما نرى .
2 - ما معنى قولهم أقفل باب الاجتهاد ؟
الجواب : معناه أنّه لم يبق في الناس من تتوفر فيه شروط المجتهد ، ولا يرجى أن يكون ذلك في المستقبل ، وإنما قال هذا القول بعض المقلّدين ، لضعف ثقتهم بأنفسهم ، وسوء ظنّهم بالناس ، وزعمهم أن العقول دائما في تدل وانحطاط ، وغلو في تعظيم السابقين .
وقد رأي أن تلك الشروط - أي شروط الاجتهاد - ليست بالأمر الذي يعز مثاله ، وتعلم أن سنّة اللّه تعالى في الخلق الترقي إلّا أن يعرض مانع ، كما يعرض لنمو الطفل مرض يرجعه القهقرى . كان آخر الأديان أكملها .
3 - ما معنى هذه العبارة : قفل باب الاجتهاد ، عند العامة وعند أهل التحقيق ؟
الجواب : العامة يقلّدون آباءهم ورؤساءهم في قولهم : إن أهل السنّة ينتمون إلى أربعة مذاهب من شذّ عنها فقد شذّ عن الإسلام . ولا يفهمون أكثر من هذا .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 150
مساهمون: اسد حيدر
ص١٥٠