أسباب التعصب المذهبي وتطور الدعوة :
والغرض : إن التعصب قد شوّه وجه الحقيقة ، وقلب الأمور عن واقعها ، ولعل أسباب ذلك تعود إلى ما يلي : 1 - كان لتطور الدعوة إلى الالتزام بالمذاهب الأربعة ، أثر في تحيز كل جانب إلى المذهب الذي يعتنقه ، مما يؤدي إلى الاندفاع بنوع من التعصب وراء طلب المؤيدات لذلك المذهب ، بدون التفات إلى مؤاخذة ، أو استناد لأمر ملموس . وكانت الظروف تساعد على تنمية تلك الاندفاعات ، إذ وجدت نشاطا ساذجا في المجتمع ، وقبولا في العقول المتبلبلة ، فكالت المدح لها جزافا ما شاءت بدون حساب . 2 - إن التزاحم على مناصب الدولة من قضاء وتولي حسبة ، كان يؤدي إلى المجادلة والمناضلة والتحزب ، ولا يحصل من وراء ذلك إلّا خلاف وتباعد ، وادّعاء كل الحق في جانبه ، وأن مذهبه هو المذهب الذي لا يقبل اللّه عملا إلّا به ، وأن رئيس المذهب هو المتفرّد بعلوم الإسلام لا غير ، لتكون له الغلبة على غيره . وقد تزلفوا للأمراء والخلفاء طلبا للحصول على ذلك المنصب ( ولذلك تجد الوطيس لم يحم إلّا بين الحنفية والشافعية ، لأن المناصب كانت محصورة فيهم ) « 1 » . 3 - مزاحمة المذهب الجعفري وانتشاره في المجتمع الإسلامي ، مع بذل الجهد من السلطات في معارضته ، والقضاء على المنتمين إليه مرة ، وبتشجيع غيره من المذاهب تارة أخرى ، مما يبعث معتنقيها على التفاني في التعصّب لها ، والتحامل على هذا المذهب الذي فرض نفسه على المجتمع بدون مشجع مادي .