تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦

فقال الرجل : يا أبا عبد اللّه تركت خلفي من يقول : ليس على وجه الأرض أعلم منك . فقال مالك غير مستوحش : إذا رجعت إليهم فأخبرهم إني لا أحسن « 1 » . وهذا مما يدل على خطأ ذلك الاعتقاد الذي كونته عوامل غير مشروعة ، وأيّدته ظروف خاصة ، لذلك أنكر عليهم مالك ، إذ هو لم يعرف من نفسه ما قد ادّعاه فيه غيره ، وكذلك لم يكن يعرف المتّصلون بمالك ، والذين عرفوا منزلته كما عرفه الناءون عنه ، وأخذوا عنه صورة مكبرة رسمتها يد المبالغة والغلو ، فأنكر مالك عليهم ما يدّعونه فيه من العصمة والوصول إلى درجة الإحاطة بكل العلوم . واتسع الأمر بعد مالك حتى أصبح قوله يقدم على الكتاب والسنّة كما أشرنا لذلك .

الإمام الشافعي ينهى عن التقليد :

وكذلك الإمام الشافعي كان ينهى عن التقليد ، ويدعو إلى العلم من طريقه . وقد روي عنه أنّه قال : مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل ، يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه ، وهو لا يدري . ذكره البيهقي . وقال إسماعيل بن يحيى المزني في أول مختصره : اختصرت هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله : لأقرّبه على من أراده ، مع إعلامية نهيه - أي الشافعي - عن تقليده وتقليده غيره ، لينظر فيه لدينه ، ويحتاط فيه لنفسه « 2 » . ومختصر المزني هذا قد أصبح للشافعية فيه اعتقاد وتمسك شديد ، وامتلأت به البلدان ، حتى أن المرأة كانت إذا جهزت للدخول على زوجها حمل في جهازها مصحف ونسخة من مختصر المزني « 3 » . وقال ابن حجر في توالي التأسيس : قد اشتهر عن الشافعي : ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) . قال ابن القيم : هذا صريح في مدلوله ، وأن مذهبه ما دل عليه الحديث لا قول له غيره ، ولا يجوز أن ينسب إليه ما خالف الحديث ، فيقال هذا مذهب الشافعي ، ولا يحل الإفتاء بما خالف الحديث على أنه مذهب الشافعي ، ولا الحكم به ، صرّح بذلك جماعة من أئمة أتباعه .

هامش
( 1 ) الموافقات لأبي إسحاق الشاطبي ج 4 ص 287 - 288 .
( 2 ) أعلام الموقعين ج 2 ص 181 .
( 3 ) مختصر المؤمل ص 35 .