وقال أبو الليث السمرقندي : باب من يصلح للفتوى ؟ قال الفقيه : لا ينبغي لأحد أن يفتي إلّا أن يعرف أقاويل العلماء - يعني أبا حنيفة وصاحبيه - ويعلم من أين قالوا ، ويعرف معاملات الناس ، فإن عرف أقاويل العلماء ولم يعرف مذاهبهم . . . إلخ . وقال أبو يوسف بمثل قول أبي حنيفة وهو قوله : حرام على من لم يعرف دليلنا أن يفتي بقولنا « 1 » .
الإمام مالك ينهى عن التقليد :
وقد اشتهر عن مالك : أنّه كان ينهى عن التقليد والرجوع لقول أي أحد دون كتاب اللّه وسنّة رسوله . ويعلن معارضته لمن كان يتعصب له ويدعي أعلميته على جميع الأمة . ويتضح من مطاوي كلماته أن الحديث الذي ادّعوه في فضله ، وهو حديث عالم المدينة ، لم يكن يعرفه مالك ، وإن كان معروفا فلا يرى انطباقه عليه لوجود من هو أعلم منه ، والمأثور عن مالك في ذلك كثير ، كقوله : إنما أنا بشر أخطئ وأصيب ، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنّة فخذوه ، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنّة فاتركوه . وكان مالك لا يخرج عن عمل أهل المدينة ، ويصرح في موطنه بأنّه أدرك العمل على هذا ، وهو الذي عليه أهل العلم ببلدنا . ويقول في غير موضع إذا سئل عن شيء : ما رأيت أحدا أقتدي به يفعله « 2 » أي يفعل ذلك الشيء المسؤول عنه . وروى محمّد بن محمّد بن سنه بسنده عن مالك أنّه قال : إنما أنا بشر أخطئ وأصيب ، فانظروا في رأيي ، فكل ما وافق الكتاب والسنّة فخذوه ، وكل ما لم يوافق فاتركوه . وروي مثله عن أحمد بن مروان المالكي « 3 » . وكان رأي مالك : أن من ترك قول أحد من الصحابة لقول تابعي أنّه يستتاب . وقد صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب .