وبقوا ينظرون إليّ كالمتعجب - يعني كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع أن الرواية عن سلفنا وردت على خلافها ؟ ولو تأملت حق التأمّل وجدت هذا الداء ساريا في عروق الأكثرين من أهل الدنيا . قال أبو شامة « 1 » : وكانت تلك الأزمنة مملوءة بالمجتهدين ، فكل صنف على ما رأى ، وتعقب بعضهم بعضا مستمدّين من الأصلين : الكتاب والسنّة ، وترجيح الراجح أقوال السلف المختلفة بغير هدى ، ولم يزل الأمر على ما وصفت ، إلى أن استقرت المذاهب المدونة ، ثم اشتهرت المذاهب الأربعة وهجر غيرها ، فقصرت همم اتباعهم إلّا قليلا منهم ، فقلدوا بعد ما كان التقليد حراما لغير الرسل ، بل صارت أقوال أئمتهم بمنزلة الأصلين - الكتاب والسنّة - وذلك معنى قوله تعالى :
فعدم المجتهدون وغلب المتقلدون ، وكثر التعصّب وكفروا بالرّسول حيث قال : « يبعث اللّه في كل مائة سنة من ينفي تحريف الغالين وانتحال المبطلين » وحجروا على رب العالمين ، مثل اليهود ، أن لا يبعث بعد أئمتهم وليا مجتهدا ، حتى آل بهم التعصب إلى أن أحدهم إذا أورد عليه شيء من الكتاب والسنّة على خلافه يجتهد في دفعه بكل سبيل من التأويلات البعيدة نصرة لمذهبه ولقوله . . إلخ « 2 » . وهنا يستوقفني الفكر طويلا عندما أتأمل أقوال العلماء المبرزين ، الذين ينتسبون لأحد المذاهب ، وأنّهم كيف كانوا يتشدّدون في النهي عن التقليد ومضاره ، وكيف كانوا يخالفون رئيس المذهب في اجتهادهم وأنهم لم يعرفوا عن أئمة المذاهب ما يدعيه المتأخرون عنهم من المبالغات ، وذلك التشديد في وجوب تقليد إمام بعينه . فكم الفرق بين الفريقين ؟ وإن الأمر ليبعث على الاستغراب ! وإن المتتبع يقطع ببطلان ما يذهب إليه المتأخّرون ، وأنهم قد خالفوا أئمتهم ورؤساء مذاهبهم في اتباع تلك الأمور المبتدعة ، وتعصّبهم لمذاهبهم بما لا يرضى به أولئك الأئمة الذين ادّعوا أنّهم لهم متبعون ، ووصفوهم بأقصى ما يتصور من المدح والثناء ، وجعلوا تقليدهم