تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩

ونحو ذلك من إبهام المساواة فانتهت صورة الحال ، فتقدم الخليفة أن يلتزموا بذكر كلام المشايخ واحترامهم ، فأجابوه بالسمع والطاعة « 1 » . وبذلك أصبح الالتزام بهذه المذاهب أمرا رسميا لا يمكن خلافه ، وقضي على غيرها من المذاهب المعمول بها في ذلك الوقت - على قلة اتباعها - كمذهب سفيان الثوري ، ومذهب داود بن علي الظاهري ، حتى أدت الحالة إلى محو الجميع ، وبقاء المذاهب الأربعة نظرا لما أظهرته السلطة من تهديد وتوعيد ، وترغيب وترهيب ( ولم يبق لأهل السنّة إلّا المذاهب الأربعة السابقة ، لأنّها وجدت من الملوك والوزراء من يحمل الناس عليها ، وينشيء لها تلك المدارس ، ويحبس عليها تلك الأوقاف ، فلما طال العهد بها على الناس أخذوا يتعصّبون لها وينكرون ما عداها من المذاهب السابقة ) « 2 » .

التطرّف بالتزام المذهب :

واتسع الخلاف وكثر الجدل ، وعظمت الفرقة ، وذهب كل إلى تأييد مذهبه وتصويب رأيه ، وإبراز صرة إمام مذهبه في صفحة الوجود بإطار الغلو والعبقرية الادعائية ، لا العبقرية الواقعية ، جهلا منهم بعاقبة الأمر ، واتباعا لهوى سلطان لا يروق له اتحاد الأمة . وقد اندفع المتطرّفون إلى أبعد حدّ من الشذوذ ، ولم يصغوا لأهل الاعتدال والتوازن منهم ، ولم يجعلوا وزنا لأقوال أئمتهم ، وما هو مأثور عنهم : بأنّهم لم يصلوا إلى تلك الدرجة التي يدعونها لهم ، فإنهم بشر يخطئون ويصيبون ، وأن أقوالهم لا قيمة لها تجاه الأثر والنصوص النبوية ، كما يأتي بيانه . لم يسمعوا ذلك ، بل وصفوهم بما تهوى أنفسهم ، كما وصفوا أبا حنيفة بأنّه : سراج الأمة ، وسيد الأئمة ، ومحيي السنّة ، وأنه إذا تكلم خيّل إليك أن ملكا يلقنه ، وما كلّم أحدا في باب من أبواب الفقه إلّا ذل له ، وإذا أشكلت مسألة على أعلم الناس سهلها عليه . كما تجد ذلك في كتب مناقبه للمكي ، والكردري وغيرهما . وأنك لتدهش من تلك الألفاظ الفارغة ، التي لا تجد فيها سوى التهجم على
هامش
( 1 ) الحوادث الجامعة ص 216 - 217 .
( 2 ) ميدان الاجتهاد ص 11 .