عقل الإنسان ، وخياله للمزيد من هذا النعيم .
وهذا النعيم المادي ، يختلف عن نعيم الدنيا من حيث الطعوم وغيرها من ناحية ، ولأنّه يقدّم للإنسان بدون جهد منه من ناحية أخرى ، بالإضافة إلى خلود هذا النعيم ، وعدم انقطاعه .
وهناك أيضا النعيم المعنوي ويتمثّل في مجالس أهل الجنة ، وما فيها من سمر وسرور ، وأحاديث ، وتزاور ، قال تعالى :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ، ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ ، وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ، لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ
الحجر : 45 - 48 .
فأهل الجنة متحابّون ، أصفياء ، لا غلّ في صدورهم ، ومجالسهم ، كلّها سرور ونعيم ، ليس فيها لغو الحديث ، ولا الكذب ، مما كان يكدّر مجالس الدنيا ، أو ممّا هو معروف عن مجالس أهل النار .
قال تعالى :
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً
النبأ : 35 - 36 .
وهناك النعيم الأكبر ، وهو لذّة القرب من الله سبحانه وتعالى :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
القمر : 54 - 55 .
ويصوّر القرآن الكريم ، مشاهد من مجالس أهل الجنة ، وما يدور بينهم من أحاديث ، وتذكّر الماضي في الدنيا زيادة في المتعة والنعيم . قال تعالى :
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ، قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ ، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ
الطور : 25 - 28 .
ومشهد أهل الجنة هنا ، وهم يتبادلون الأحاديث والذكريات بهدوء وحبّ ، يقابل مشهد أهل النار ، وهم في خصام وجدال واتهام وشتائم . . . وهذه طريقة القرآن الكريم في المقابلة بين مشاهد النعيم ومشاهد العذاب ، حتى يتحقّق الغرض الديني من التصوير .
ويصوّر القرآن الكريم ، مشهدا لأحد أهل الجنة ، وهو يقصّ على أصحابه ذكرياته الماضية في الدنيا ، وأنّه كان له قرين يكذب بالحساب ، فأحبّ أن يعرف أخباره ، فاطّلع فرآه في سواء الجحيم ، يقول تعالى :
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ، قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ ، إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ، يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ، أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ ، قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ،