ثم ينفذ التصوير إلى رسم الجنة من داخلها فينقل لنا مشاهد النعيم في الطعام والشراب واللباس والزينة ، والأثاث ، ومجالس أهل الجنة وما فيها من سمر وأحاديث ، وذكريات ، ثم يرسم مشاهد حوار أهل الجنة مع أهل النار . فالمشاهد للنعيم مترابطة ، تستوفي أقصى ما يتصوره الإنسان من أنواع النعيم اللذيذ .
ويسير تصوير مشاهد النار ، على النسق نفسه ، فتعرض متقابلة مع مشاهد الجنة ، لإبراز الفروق بين الاثنين .
فيبدأ تصوير النار ، برسم مساحتها الواسعة أيضا ، وخزنتها الغلاظ ، وأبوابها ، ووقودها من الناس والحجارة ، وحرّها ، ودخانها ، وشرارها المتطاير الضخم .
ثم يبدأ تصوير عذابها من داخل النار ، فترسم مشاهد العذاب المخيف مثل إنضاج الجلود ، والصهر ، واللفح وتسويد الوجوه ، وتقليبها على النار ، وسحبها ، كذلك الربط بالسلاسل والأغلال والأصفاد ، والضرب بالمقامع من حديد . كما ترسم الصورة طعام أهل النار من الزقوم ، والصديد ، والقيح ، وشرابهم من الحميم ، والغسّاق ، ولباسهم من نار .
كما ترسم مشاهد أهل النار وهم فيها يتخاصمون ، ويتبادلون الاتهامات والشتائم ، ويتوسطون لدى خزنة النار بأن يخفف الله عنهم يوما واحدا من العذاب ، ثم يتوسطون لدى مالك خازن النار ، أن يطلب من الله أن يهلكهم ليستريحوا من العذاب ، ثم مشاهد وهم يتوسطون أهل الجنة أن يفيضوا عليهم بعض أنواع النعيم . . . وهكذا .
فالمشاهد للنعيم والعذاب ، تسير في خط متقابل ، لتحقيق الغرض الديني في الترغيب والترهيب .
لأن هذه المشاهد ، تعرض على الإنسان ، وهو ما زال في الدنيا ، وبإمكانه أن يختار نهاية لحياته على بصيرة ، ومعرفة بالعواقب والنتائج لأعماله في الدنيا .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 373
مساهمون: عبد السلام احمد الراغب
ص٣٧٣