تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ ، قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ، وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ، أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ، إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ، لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ
الصافات : 50 - 61 . فهذا المشهد ، يصوّر حديث أهل الجنة الهادئ السامر ، يتحدثون عن ماضيهم بكل ما فيه من صور ذهنية مختزنة في ذاكرتهم عن أشخاص معينين ، ومواقف ، وأحداث . والمشهد حيّ شاخص ، فيه الحوار الدائر بين الأشخاص ، وفيه الذكريات ، والحركة ، والانتقال من مشهد النعيم إلى مشهد العذاب ، كذلك فيه الحوار الدائر ، بين صديقين في الدنيا ، أحدهما من أهل الجنة والآخر من أهل النار ، فيه تذكير بالمواقف والأفكار . وهذا المشهد يكشف عن مجالس أهل الجنة الهادئة وما فيها من سمر وطمأنينة ، ويرفع الستار عن المشهد ، وفيه واحد منهم يقصّ على أصحابه ماضيه ، وذكرياته مع صديق له ، ثم فجأة ينتقل المشهد إلى صاحبه في النار ، ثم يبدأ الحوار بين رجل الجنة وقرينه . وتتّضح المواقف ، والحقائق ثم يسدل الستار . ويصوّر القرآن مشاهد الحوار بين أهل الجنة وأهل النار ، لتوبيخ أهل النار وتبكيتهم ، وإظهار نعمة الله على أهل الجنة ، يقول تعالى :
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
الأعراف : 44 . كما يعرض القرآن الكريم صورة لأهل الجنة وهم يسخرون من أهل النار . قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ، وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ، وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ ، وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ ، فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ، عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ، هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ
المطففين : 29 - 36 . وهنا يتقابل مشهدان ، مشهد الماضي ، وفيه يعرض موقف المجرمين من أهل الإيمان وسخريتهم منهم ، واتهامهم بالضلال والغباء ونحو ذلك وعرض هذا المشهد الماضي في مشاهد القيامة والإطالة فيه ، يقصد به تذكير المجرمين بأفعالهم وأقوالهم . وفي المشهد الثاني المقابل ، تتغيّر فيه صورة الماضي فالمؤمنون هم الذين يسخرون من المجرمين ، ويضحكون
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 371 | عبد السلام احمد الراغب