مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ ، يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ، وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ، كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
الحج : 19 - 21 .
والصورة ترسم الرعب والفزع لهذا العذاب الحسي المؤلم ، من خلال تفصيل ثياب من نار ، ومقامع الحديد ، وصبّ الحميم فوق الرؤوس . ويضاف إلى العذاب الحسي ، عذاب معنوي ، مجسّم في حركة محاولة الخروج من هذا الكرب والغمّ ، وأذاقتهم عذاب الحريق ، تهكما وسخرية منهم .
وهذه الصورة مستمرة أيضا ، تعتمد على الجملة الشرطية بأداتها « كلما » الدالة على ذلك ، في رسم حركة متخيّلة لأهل النار ، والنار تضربهم بلهبها ، فترفعهم ، حتى إذا كانوا في أعلاها ، ضربوا بالمقامع من حديد فهووا إلى أسفلها من جديد ، وهكذا يستمر العذاب « 9 » بنوعيه الحسي والمعنوي .
ولون آخر من العذاب هو لفح الوجوه بالنار ، أو تقليبها ، أو سحبها ، والوجه أكرم ما في الإنسان ، فحين يتناول العذاب هذا الجزء ، فالمراد بذلك ، تحقير شأن أهل النار ، لأن هذه الوجوه لم تعرف السجود لخالقها ، فهي لا تستحق التكريم .
فأهل النار يحشرون على وجوههم عميا وصما وبكما ، تهوينا لشأنهم ، وإذلالا لهم :
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً
الإسراء : 97 .
ففي الصورة ، يجتمع ألوان من العذاب مثل السحب على الوجوه وهم عمي وصم وبكم ، زيادة في إهانتهم واحتقارهم بالإضافة إلى حرقهم بالنار المستمرة التي لا تخبو .
والسحب على الوجوه أيضا للمجرمين
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ، يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ
القمر : 47 - 48 .
والسحب على الوجوه في الآخرة . يقابل استكبارهم في الدنيا على دعوة الله . ويضاف إلى العذاب الحسي في السحب على الوجوه ، عذاب معنوي حين يقال لهم على سبيل التهكم والسخرية
ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ
.
وتزداد هذه الصورة تفصيلا بإدخال عناصر أخرى في تشكيلها ، حتى تتضح هيئتهم
هامش
( 9 ) الكشاف : 3 / 9 .