المخيف ، وإحياء المشهد بهذه الحركة التخييلية . ثم يبدأ استعراض المشهد وما فيه من صور مرعبة للنار ، فدخانها كثيف متصاعد ، في شعب ثلاث ، وشرارها متطاير بكتل ضخمة ، يتناثر هنا وهناك . وضخامة الدخان ، وضخامة الشرر المتطاير ، يعبران عن ضراوة النار وشدّتها .
ثم تركّز الصورة ، على رسم هذه الظلل المحيطة بهم من كل اتجاه ، يقول تعالى :
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ
الزمر : 16 .
وهناك صور أخرى للنار ، مرتبطة بالصور السابقة ، ومتناسقة معها ، في رسم ضراوة النار وشدتها وهولها فهي مهاد ، وفراش ، وغواش في الوقت نفسه .
يقول الله تعالى في ذلك :
لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ
الأعراف : 41 .
فالصورة هنا تجعل النار مهادا ، على سبيل السخرية ، لأنّ هذا المهاد محرق وليس مريحا ، كما تعودوا في صورة الفراش المريح ، ثم إنها غطاء يغشاهم من فوقهم ، وبذلك تكتمل صورة إحاطة النار بهم .
وتعرض الصورة ألوانا من العذاب في جهنّم من ذلك إنضاج الجلود ، وتبديلها بجلود أخرى ، لكي يبقى العذاب دائما . قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ . .
النساء : 56 .
وصورة إنضاج الجلود ، مرعبة مخيفة ، بمجرد استحضارها في الخيال ، وما يتم في عملية الإنضاج من تقليب على النار ، وإذابة لها ، وما يصاحبها من أصوات وآلام . . حتى إذا تمّ إنضاجها وانتهت بدلت جلودا غيرها ، وهكذا يستمر عرض الصورة في المشهد المرعب بشكل متكرر ليزداد التأثير بها في الحس والشعور واختيار الجلود هنا في التعذيب ، لأنها مركز الإحساس بالألم ، وتكرار تبديلها ، يوحي بتكرار الألم واستمرار العذاب ، كما أنّ الجلود هي وعاء الحواس الأخرى وهي شاملة للجسم كلّه .
ويعتمد التصوير على الجملة الشرطية ، في تكرار عرض مشهد العذاب ، من خلال أداة الشرط « كلّما » وهناك أيضا صبّ الحميم فوق الرؤوس ، فيصهر الأمعاء ، وما حوته البطون ومقامع الحديد ، وثياب من نار ، قال تعالى :
فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ