وهكذا تتكامل عناصر التصوير ، من الخارج والداخل للمشهد المرعب . كما يضاف عنصر السخرية من المكذبين ، حين يجابون على دعائهم بالهلاك ، بأنّ الهلاك الواحد لا يكفي ، ولكن ادعوا هلاكا كثيرا مكررا لأنه لا يفيد شيئا .
ويشترك خزنة النار ، في زيادة تعذيب المكذبين ، وذلك بتذكيرهم بموقفهم من الرسول المنذر لهم . قال تعالى :
وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ، إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ ، تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ . .
الملك : 6 - 8 .
وتكثر الصور التشخيصية للنار ، لزيادة أثرها في النفوس فهي كما يقول سيد قطب :
« في هذا المشهد حيّة متحركة يلقى إليها الذين كفروا كما يلقون إلى الغول ، فتتلقاهم بشهيق وهي تفور ، يملأ نفسها الغيظ حتى لتكاد جوانبها تتفجر من الحقد ، إنه مشهد مروّع ، تضطرب له القلوب ، وتقشعر لهوله الجلود ، وبينما هم في فزع من هذه الغول ، التي تتميّز من الغيظ ، وهي تتلقفهم بشهيق وهي تفور ، نسمع خزنتها وحراسها ، يتلقون كل فوج مدفوع بسؤال واحد مكرور ، فكلّهم ذو شأن واحد مكرور :
أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ
والجواب في ذلّ الاعتراف وخجل الانكسار : بلى قد جاءنا نذير فكذبنا . . » « 8 » .
ثم إنهم يعترفون ، بأنهم قد عطّلوا حواسهم فلم يستجيبوا لدعوة الرسول وبعد هذا الاعتراف ، يكون جوابهم
فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ
.
ويتواصل التصوير للنار ، ليرسم دخانها الخانق ، وشرارها المخيف . فدخانها يتصاعد في ثلاث شعب وهي ليست ظليلة بل خانقة ، كما أن شرارها المتطاير منها كالقصر ، ضخامة ، وكالجمالات تناثرا في كل مكان . قال تعالى :
انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ، انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ، لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ، إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ، كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ ، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
المرسلات : 29 - 34 .
فالصورة هنا أيضا تقرب المشهد الغيبي ، وتجعله حاضرا ، على طريقة القرآن في تصوير مشاهد القيامة . فالقيامة هنا كأنّها حاضرة ، لذلك جاء فعل الأمر بالانطلاق إليها ، للاطلاع على ما فيها من أهوال « انطلقوا » ويكرّر فعل الأمر بالانطلاق ، لرؤية هذا المشهد
هامش
( 8 ) مشاهد القيامة : سيد قطب . ص 208 .