شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
التحريم : 6 .
وتصوير الملائكة خزنة النار ب « غلاظ شداد » يتناسب مع صورة النار الغليظة الشديدة .
وهي من حيث المكان ، ممتدة أيضا ، حتى يلائم ذلك وقودها المخيف
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ ، وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
ق : 30 .
والصورة هنا تعتمد على التشخيص ، حتى يتفاعل الإنسان مع هذه الصورة المرعبة ، ويتغلغل تأثيرها في نفسه ويتخيّل الإنسان هذه النار الممتدة مكانا وزمانا ، لتتسع لملايين العاصين والكافرين ، وهي لا تضيق بهم بل تقول على سبيل التشخيص :
هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
.
ولها أبواب توصد على أهل النار ، فلا يفلتون من عذابها :
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ، لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ ، لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ
الحجر : 43 - 44 .
فالنار - كما توحي به الصورة - دركات ، وكل قسم له بابه المحدد أو المقسوم .
والمنافقون في الدرك الأسفل منها
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ
النساء : 145 .
ويصوّر القرآن ، شدّة حرّها ، وعنفها ، وغيظها ، وزفيرها وارتفاع نيرانها .
قال تعالى :
بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً ، إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ، وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً ، لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً
الفرقان : 11 - 14 .
وصورة النار هنا حيّة شاخصة ، معروضة في مشهد مثير ومخيف ، ويتمّ استعراضها بشكل مطوّل في المشهد ، وتضفي عليها الحياة والحركة ، لزيادة التأثير في النفوس ، فالمكذبون بالساعة قادمون ، من بعيد ، وهي في انتظارهم ، قد سعّرت ، وأجّجت ، وحين تراهم ، تزداد اشتعالا وزفيرا . ثم تجسّم معاناتهم فيها بدعائهم على أنفسهم بالهلاك من شدة لسعها وحرقها .
فالصورة ترسم مشهدها الخارجي ، من خلال صوت النيران المشتعلة التي شخّصت في الغيظ والزفير ، ثم رسم مشهدها من الداخل وهي تتحرق لرؤية المكذبين ، وتشتاق إليهم ، ثم مشهد المكذبين في داخلها مقيدين في مكان ضيق منها ، زيادة في تعذيبهم ، ثم جسّمت معاناتهم ، بهذا الصراخ والدعاء بالهلاك ، ومشهدهم وهم يدعون بالهلاك على أنفسهم ، يقابل مشهدهم حين كانوا في الدنيا يكذبون بها .