وهم يسحبون ، كما تسحب الدواب ، تطوّق أعناقهم بالأغلال ، وأقدامهم بالسلاسل ، ثم يسحبون على هذه الصورة في الحميم ، الذي سبق تصويره بأنه يذيب الجلود ، وما في البطون من أمعاء ، ثم يربطون ويحبسون في النار ، يقول تعالى في ذلك :
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ، إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ، فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ
غافر : 70 - 72 .
ولفظ
يُسْجَرُونَ
غنيّ بالدلالات الموحية بإهانتهم وتحقيرهم .
فهو يوحي بربطهم ، وسجرهم ، كما تسجر الكلاب إلى الساجور « 10 » . وأيضا من سجر التنور إذا ملأه بالوقود ، فهم مسجورون بالنار ، مملوءة بها أجوافهم ، كما قال الزمخشري « 11 » .
وأيضا يسجرون أي يوقدون ويحرقون فيها « 12 » .
وتتنوّع الصور ، في الدلالة علي العذاب ، ضمن نظام العلاقات بين الصور ، فهناك السحب على الوجوه ، وأيضا كبّ الوجوه في النار ، وربما تكون كبكبة الوجوه أولا ، ثم سحبها على هذه الهيئة ، فالصورتان تتفاعلان وتترابطان في الدلالة على شدة العذاب . قال تعالى :
وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
النمل : 90 .
والفعل ( كبت ) يصوّر بجرسه حركة الكبّ العنيفة على الوجوه ، من شدة الهول والفزع .
كما أن النار تلفح هذه الوجوه دائما ، كما تلفح الظهور ، دلالة على شمولها لهم ، وإحاطتها بهم ، وهم يحاولون ردّها ، بدون فائدة ، قال تعالى :
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
الأنبياء : 39 .
وتلمس الصورة لون الوجوه ، بعد لفحها ، قال تعالى :
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ
المؤمنون : 104 .
والوجوه الكالحة ، تجسّم معاناة النفوس ، من هذا اللفح بالنار ، لأنّ الوجوه ، تعبّر عن خفايا النفوس .
ويقترن مع لفح الوجوه ، التقييد بالأصفاد ، واللباس القابل للاشتعال ، زيادة في تصوير العذاب ، يقول تعالى
وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ، سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ ، وَتَغْشى
هامش
( 10 ) في القاموس المحيط الساجور : خشبه تعلّق في عنق الكلب . القاموس مادة سجر .
( 11 ) الكشاف : 3 / 436 .
( 12 ) صفوة التفاسير : 3 / 110 .