تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
وُجُوهَهُمُ النَّارُ
إبراهيم : 49 - 50 . والصورة تعتمد علي التخييل الحسي ، فالأردية من قطران قابل للاشتعال ، بالإضافة إلى سواده وتلطيخه ، كما أنهم مقيدون بالأصفاد ، إمّا مثنى مثنى أو بتقييد اليدين مع الرجلين ، حتى يتمّ غشيان النار وجوههم وهم عاجزون عن ردّها . وهناك صورة أخرى لعذاب الوجوه في النار ، وهي تقليبها عليها ، حتى تنضج ، يقول تعالى :
يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا
الأحزاب : 66 . فالصورة المتخيلة للوجوه تقلّب في النار ، لتشملها من كل الجوانب ، تثير الفزع في النفوس ، ولا غرابة أن نلمس تأثيرها في أصحابها أولا في المشهد المعروض ، حين انطلقت عبارات التمنّي والحسرة من أفواههم بعد فوات الأوان . وتكمل الصورة تعذيب الوجوه ، برسم لونها الأسود ، كأنّما هي قطعة من الليل من شدّة سوادها ، يقول الله تعالى :
كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
يونس : 27 . فالصورة حسية ، ولكنها تعبر عن حالة نفسية كثيبة ، كما أن الليل قد جسّم ، فصار مادة محسوسة ، قد مزّق إلى قطع سود ، تلتصق على وجوه الكافرين ، للإيحاء بشدة السواد . وتربط الصورة بين لون الوجوه في الآخرة ، وبين الأعمال في الدنيا ، حتى يكون اللون في الآخرة علامة بارزة على الأعمال ، تشهيرا بأصحابها على رؤوس الأشهاد . قال تعالى :
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
آل عمران : 106 . فصور تعذيب الوجوه ، ليست من قبيل التكرار ، بل من قبيل تنويع العذاب ، فهي صور مترابطة ضمن نظام العلاقات ، لكي تحقق وظائفها النفسية والدينية والفنية . ويكثر تصوير أهل النار مقيدين بالسلاسل والأغلال ، للإيحاء بعدم إفلاتهم من العذاب ، وملازمته لهم ، بالإضافة إلى تحقيرهم ، وبيان عجزهم ، يقول الله تعالى :
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً
الإنسان : 4 ، وقوله أيضا :
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ، إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ . .
غافر : 70 - 71 . وزيادة في تقريب العذاب من الأذهان ، فقد عرضت مجموعة من الصور الحسية في